موقع سماحة آية الله العظمى مكارم الشيرازي(دام ظله).
صفحه کاربران ویژه - خروج
ورود کاربران ورود کاربران

الدخول إلى الحساب

رمز الحماية:

اسم المستخدم:

مفتاح المتابعة:

للاستفادة من امكانيات الموقع الإلكتروني افتح حساباً .
الترتيب على أساس
 
112-أولياء العقد

112-أولياء العقد

بقي علينا في هذه المسألة أنْ نتعرّض لبيان حکم الفرع الرابع والأخير فيها، وهو أنّه لا ولاية للأخ والعم والخال وأولادهما على الصغير والصغيرة، فنقول: هناک إجماع بين فقهائنا على عدم ثبوت الولاية لهؤلاء، وممّن ادعى هذا الإجماع الشيخ النراقي ـ قدّس سرّه ـ في مستنده(1) وقد نقلنا کلامه في هذا المجال في أوّل البحث في الفرع الثالث، والمحقّق الکرکي ـ قدّس سرّه ـ في (جامع المقاصد) حيث قال: (والولاية الثابتة بالقرابة منحصرة عندنا في قرابة الاُبوة والجدودة من الاُبوة باتّفاق علمائنا، فلا تثبت للأخ ولاية، من الأبوين کان أو من أحدهما، انفرد أم کان مع الجد، خلافاً للعامة. وکذا الولد وسائر العصبات قربوا أم بعدوا)(2). بينما ذهب أغلب فقهاء العامة إلى ثبوت الولاية لهؤلاء على ترتيب وتفصيل مذکور في کتبهم، بل ويظهر من المالکية ثبوت الولاية على النکاح للابن حتى إذا کان ولد زنا، إلى غير ذلک من الخرافات(3).هذا من ناحية الأقوال، وأمّا من ناحية الأدلة فهناک: أوّلاً: الإجماع المدعي في الکلمات السابقة، وهو وإن لم يکن حجة مع وجود ما يصلح للمدرکية من الروايات الآتية إلاّ أنّه من الصعب المخالفة مع وجوده.وثانياً: الروايات، وفيها رواية واحدة فقط تنفي ولاية العم هي: ما رواه محمّد بن الحسن الأشعري، قال: کتب بعض بني عمي إلى أبي جعفر الثاني ـ عليه السلام ـ: ما تقول في صبية زوّجها عمها، فلمّا کبرت أبت التزويج، فکتب لي: ((لا تکره على ذلک والأمر أمرها))(4).وهي صريحة في المطلوب، وسندها وإن کان ضعيفاً بسبب کون الأشعري شخصاً مجهول الحال إلاّ أنّه منجبر بعمل الأصحاب بها.وأمّا بالنسبة للأخ فإنّ الأخبار التي تدل على عدم ولايته على طائفتين:الأُولى: ما ذکرناه سابقاً من الروايات التي تنفي الولاية عن غير الأب أو غير الأب والجد.الثانية: وهي عبارة عن روايتين خاصتين بهذا الموضوع هما:1ـ صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في حديث قال: سئل عن رجل يريد أن يزوّج اُخته؟ قال: ((يؤامرها، فإنْ سکتت فهو إقرارها، وإن أبت لا يزوّجها))(5).وظاهرها جيد لکن بالدقة يظهر أنّ فيها مشکلتين:المشکلة الاُولى: أنّ غاية ما تنفيه هو استقلال الأخ في الولاية، وأمّا اشتراکه مع اُخته فيها فهي ساکتة عنه.المشکلة الثانية: أنّ موردها هو الاُخت البالغة الکبيرة؛ لأنّ المشاورة وکون السکوت علامة على الرضا يعقل في الکبيرة، ولا تدلّ على نفي اعتبار إذنه بالنسبة لاُخته الصغيرة.2ـ محمّد بن علي بن الحسين ـ الصدوق ـ بإسناده عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في رجل يريد أن يزوّج اُخته، قال: ((يؤامرها، فإنْ سکتت فهو إقرارها، وإن أبت لم يزوّجها. فإن قالت: زوّجني فلاناً زوّجها ممّن ترضى))(6).وهي من حيث الدلالة مناقشة بنفس المناقشتين في الرواية السابقة، وأمّا من حيث السند فإنّ داود ابن سرحان ثقة لکن المشکلة هي في سند الصدوق إليه، حيث يستفاد من کتاب (جامع الرواة) عدم صحة سنده إلى داود بن سرحان؛ لأنّه يعدد الأبواب التي للصدوق سند صحيح فيها إلى داود بن سرحان ولم يذکر النکاح منها.وعلى هذا فالدليل على عدم ولاية الأخ هو روايات الطائفة الاُولى مضافاً إلى أصالة عدم الولاية، إلاّ أنّ هناک بعض الروايات التي تدلّ على ثبوت الولاية للأخ، منها:الرواية الاُولى: محمّد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ((قضى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في امرأة أنکحها أخوها رجلاً ثم أنکحتها اُمّها بعد ذلک رجلاً وخالها أو أخ لها صغير فدخل بها فحبلت فاحتکما فيها، فأقام الأوّل الشهود فألحقها بالأوّل، وجعل لها الصداقين جميعاً، ومنع زوجها الذي حقّت له أنْ يدخل بها حتى تضع حملها ثم ألحق الولد بأبيه))(7).وجملة ((وخالها أو أخ لها صغير)) مبهمة، وعلى کلّ حال الشاهد في هذه الرواية هو إمضاء نکاح الأخ، ممّا يعني ثبوت الولاية له.الرواية الثانية: عن وليد بيّاع الأسفاط، قال: سئل أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ وأنا عنده عن جارية کان لها اُخوان زوّجها الأکبر بالکوفة وزوّجها الأصغر بأرض اُخرى؟ قال: ((الأوّل بها أولى إلاّ أن يکون الآخر قد دخل بها فهي امرأته، ونکاحه جائز))(8).وهي تدلّ بوضوح على تسليم ثبوت الولاية للأخ.الرواية الثالثة: عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الذي بيده عقدة النکاح. قال: ((هو الأب والأخ والرجل يوصى إليه))(9).الرواية الرابعة: عن بعض أصحابنا عن الرضا عليه السلام، قال: ((الأخ الأکبر بمنزلة الأب))(10).وهناک روايات اُخرى بهذا المعنى، فالروايات إذن متظافرة في ثبوت الولاية للأخ، ولکن الأصحاب لم يعملوا بهذه الروايات وذکروا فيها عدّة توجيهات تنتهي إلى ثلاثة، هي: التوجيه الأوّل: أنْ تکون الاُخت قد وکّلت أخاها في تزويجها خصوصاً الأخ الأکبر، وقد کان متعارفاً في القديم أن يحلّ الولد الأکبر محلّ أبيه في ذلک.التوجيه الثاني: أن يحمل ذلک على الاستحباب، بمعنى أنّه يستحب للاُخت أن تحترم أخاها فتأخذ منه إجازة الزواج، وهذا متعارف حتّى في أيامنا، وهذا الحمل واضح في رواية الإمام الرضا عليه السلام.التوجيه الثالث: أن نحمل هذه الروايات على التقية؛ لما مرّ معنا من ذهاب أکثر العامة إلى ثبوت الولاية للأخ، بل وغيره من الأقارب، بينما لم يذهب إلى ذلک أحد من أصحابنا.وعلى أي حال فهذه الروايات مهجورة عند الأصحاب.وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين______________________(1) المستند 16: 124.(2) جامع المقاصد 12: 92.(3) راجع کتاب الفقه على المذاهب الأربعة4 : 28.(4) الوسائل 20: 276، أبواب عقد النکاح، ب6،  ح2.(5) الوسائل 20: 273، أبواب عقد النکاح، ب4،  ح4.(6) الوسائل 20: 280، أبواب عقد النکاح، ب7،  ح 1 .(7) الوسائل 20: 280، أبواب عقد النکاح، ب7، ح2.(8) الوسائل 20: 281، أبواب عقد النکاح، ب7، ح4.(9) الوسائل 20: 283، أبواب عقد النکاح، ب8، ح4.(10) الوسائل 20: 283، أبواب عقد النکاح، ب8، ح6. 

المؤلف:

111-أولياء العقد

111-أولياء العقد

وهذا الحکم مسلّم بين فقهائنا، فقد ذکر الشيخ النراقي ـ قدّس سرّه ـ أنّه: (لا ولاية في النکاح لأحد على أحد سوى الأب والجد له والمولى والحاکم والوصي، إجماعاً منّا محققاً ومحکياً مستفيضاً في غير الأمّ والجد لها وفاقاً لغير الإسکافي فيهما أيضاً)(1).وصرّح في (الرياض) بأن عدم ولاية الأمّ والجد لها هو الأشهر، ثم نقل الإجماع عليه عن (التذکرة) وبعض فضلاء الأصحاب(2).فالمسألة إذن مشهورة، بل مجمع عليها ولم يخالف فيها إلاّ الإسکافي ابن الجنيد.هذا من ناحية الأقوال، وأمّا من ناحية الأدلة فقد استدلّ على عدم ثبوت الولاية للأمّ والجد لها بمفهوم بعض الروايات المتظافرة من حيث السند، مثل:1ـ ما رواه محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام، قال: ((لا تستأمر الجارية إذا کانت بين أبويها، ليس لها مع الأب أمرـ وقال ـ: يستأمرها کل أحد ما عدا الأب))(3).ولا يخلو الاستدلال بها من الاشکال؛ لأنّ بحثنا هو في الصغيرة لا الکبيرة، ولکنها بقياس الأولوية تشمل الصغيرة. هذا، فضلاً عن أنّها من الروايات التي تجعل الولاية للأب مستقلاً، الأمر الذي سوف لا نقبله في المسألة القادمة لمخالفته لما هو التحقيق فيها، فمضمونها إذن غير مفتى به عندنا.2ـ ما رواه زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السلام ـ يقول: ((لا ينقض النکاح إلا الأب))(4). والمراد بنقض النکاح ليس هو الطلاق لعدم کونه بيد الأب قطعاً، بل المراد المنع عن تحقّقه وعدم جواز استقلال الجارية بعقدها، فالنقض هو نقض مقدمات النکاح عند حصولها کرضى الزوجين مثلاً.3ـ ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ((لا ينقض النکاح إلاّ الأب))(5).وبالمقابل ذکرت عدة روايات ادعي دلالتها على ثبوت الولاية للأم، هي:الرواية الأُولى: وهي رواية عامية ننقلها من کتاب (الحدائق الناضرة)(6)، وذکرها أيضاً المحقق الکرکي في (جامع المقاصد)(7)، وهي: (إنّ النبي (ص) أمر نعيم بن نجاح أن يستأمر أم ابنته في أمرها، وقال: ((وآمروهن في بناتهن))(8).والتعبير بـ (أُمّ ابنته) لعلّه من باب کون البنت ربيبة له في الواقع وليست ابنته حقيقة، وإلا فمع وجود الأب وإعمال الولاية لا تصل النوبة إلى الاُم. وعلى کلّ فهي تدلّ بوضوح على المطلوب، لکن المشکلة أنّها ضعيفة سنداً مضافاً إلى عدم عمل الأصحاب بها. وهي قد ذکرت في بعض کتبنا الفقهية الاستدلالية کدليل على ما ذهب إليه ابن الجنيد.الرواية الثانية: ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، أنّه سأله عن رجل زوّجته أمّه وهو غائب؟ قال: ((النکاح جائز، إنشاء المتزوج قبل وإن شاء ترک ، فإن ترک المتزوج تزويجه فالمهر لازم لأُمّه))(9). ولزوم المهر دليل على صحة التزويج في رتبة مسبقة، وهذا يعني ثبوت الولاية للاُم.ولکن الاستدلال بهذه الرواية مشکل لعدّة أمور:الأوّل: أنّ هناک تنافياً بين صدرها وذيلها، إذ تتخير المتزوج بين إمضاء النکاح وترکه هو دليل على کون النکاح فضولياً يحتاج إلى إمضاء من صاحب العلاقة، وهذه عبارة اُخرى عن عدم ثبوت الولاية لأمّه، بينما ذيله ولزوم المهر لأمّه يدل على صحة النکاح.ولو فرضنا أنّ النکاح کان صحيحاً ولکن کان هناک خيار للزوج في أنْ يترکه، فإنّه لا سبيل إلى ذلک إلاّ بالطلاق کما هو معروف، وهو خلاف الظاهر من الرواية.الثاني: أنّه لم يقل أحد بثبوت الولاية على الکبير، وإنّما الکلام في الصغير والمجنون.الثالث: إنّه لو کان النکاح صحيحاً فلماذا تُلزم الاُم بدفع المهر مع کون المهر شرعاً على الزوج؟ ولذا تصرّف بعضهم في الرواية وذکر بأنّ النزاع هنا هو في مقام الإثبات لا في مقام الثبوت. توضيحه: لو کانت الاُم تدعي الوکالة عن ابنها في تزويجه وينکرها هو، فلا محالة يکون النکاح صحيحاً بحسب زعمها فيلزمها المهر؛ لأنّ إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.هذا ما ذکره صاحب (الوسائل) (قدس سرّه) في ذيل الرواية ناسباً له إلى بعض علمائنا، ولعلّه  الطوسي رحمه الله .وها هنا احتمال آخر في تفسير دفع الاُمّ للمهر أحسن من السابق، هو أنّه يستحب إعطاء المهر هنا دفعاً لخدش کرامة البنت (الزوجة)، والمسبب لهذه الخدشة هي الأمّ فيستحب لها أن تدفع المهر.والنتيجة: هي أنّه لا يمکن الاستدلال بهذه الرواية على إثبات الولاية للأمّ مع کلّ هذه المشاکل فيها، خصوصاً أنّ الأصل يقتضي عدم ولاية أحد على أحد ـ والذي يعود إلى أصالة الفساد في العقود والمعاملات بمعنى عدم ترتب الأثر عليها ـ إلاّ مع الدليل، فعند الشک في ثبوت الولاية للأمّ فإنّ مقتضى الأصل هو عدم ولايتها.إذن ليس للامّ ولا لأحد من الرجال ممّن ينتسب إلى الطفل من طرفها کأبيها وجدها ولاية على الصغير والصغيرة.وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين________________________(1) المستند 16: 124.(2) الرياض 2: 77.(3) الوسائل 20: 273، من أبواب عقد النکاح، ب4، ح3.(4) الوسائل 20: 272 ـ 273، من أبواب عقد النکاح، ب4، ح3.(5) الوسائل 20: 273، من أبواب عقد النکاح، ب4، ح3.(6) الحدائق 23: 202.(7) جامع المقاصد 12: 92.(8) سنن البيهقي 7: 113.(9) الوسائل 20: 281،  أبواب عقد النکاح، ب 7، ح3.

المؤلف:

92 / ما المقصود بالکبائر والصغائر ؟

92 / ما المقصود بالکبائر والصغائر ؟

الجواب : إن مصدر تقسيم الکبائر والصغائر هو آيات القرآن الکريم التي منها الآية الشريفة : إن تجتنبوا کبائر ما تنهون عنه نکفر عنکم سيئاتکم ([1]) ؛ والآن ينبغي معرفة ميزان هذا التقسيم ؟يقول فقهاؤنا : کل ذنب سواء کان کبيراً أو صغيراً يعدّ من الکبائر لأنه مخالفة لأمر الله تعالى .إلا أن المقياس في تحديدهما ليس عصيان أمر الله تبارک وتعالى ؛ ذلک أن هذا الميزان يجعلها کلها کبيرة ، إن عامة الذنوب على قسمين : کبيرة وصغيرة کما هو معلوم من العنوان .إن طرق تحديد القسمين کثيرة ، لکن أکثرها شهرة بين الفقهاء هو أن کل ذنب هدد القرآن والرويات مرتکبيه بالعذاب هو من الذنوب الکبيرة ؛ کقتل النفس مثلاً ، إذ قال الباري تعالى بشأنه : ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ([2]) .بعض الفقهاء أضافوا قيداً آخر الى ذلک قائلين : الکبائر هي ما وعد مرتکبوها بالعذاب أو على الأقل نهي عنها نهياً مؤکداً ؛ فربما يکون لدينا ذنوب لم يحذر القرآن مرتکبيها بالعذاب لکن نهي عنها کراراً ، فعلى سبيل المثال لو افترضنا عدم نزول آية حول الربا سوى هذه الآية : فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ([3]) فهذه الجملة لوحدها کافية في عدّ أکل الربا من الکبائر ؛ وإن لم يعد الله جلّ وعلا المرابين بالعذاب في آيات وروايات أخرى فهذا النهي المؤکد دليل على کون الربا من الکبائر ؛ وعلى هذا الأساس کون الذنب کبيراً أو صغيراً ليس أمراً نسبياً ، فلکل من هذه الفئتين حداً مائزاً عن الآخر ، ولايمکن للذنب أن يکون صغيراً وکبيراً في الوقت ذاته ؛ لأنه لو کان قد نهي عنه نهياً بليغاً أو وعد مرتکبه بالعذاب فهو من الکبائر وإلا فلا .(1) النساء 4 : 31 .(2) النساء 4 : 93 .(3) البقرة 2: 279 .

المؤلف:

91 / کيف نتيمم بالتراب الملوث بالميکروبات ؟

91 / کيف نتيمم بالتراب الملوث بالميکروبات ؟

الجواب : طبقاً لما هو ثابت في العلوم الطبيعية فان للتراب النظيف حصانة مقابل الميکروبات ، وأغلب الميکروبات لا تستطيع مواصلة حياتها فيه ؛ تأتي هذه المناعة من موجودات حية دقيقة تعيش في التراب . تمثل هذه الموجودات عدواً لدوداً للميکروبات ، فعلى سبيل المثال لو دفن جسد أحد الموتى الذي يحمل ملايين الميکروبات ، فان هذه الحيوانات الدقيقة تبدأ بتحليل هذه الجثة وتهزم الميکروبات وتعدمها .بناء على هذا فان التراب الطاهر – خلافاً لما يتصور – ليس مصاناً من التأثر بالميکروبات فحسب ، بل هو عدوها اللدود ويدمر حياتها بسرعة فائقة .وعلى هذا الأساس يمثل التراب النظيف عاملاً مهماً للتطهير ومحاربة الميکروبات بعد الماء الذي يعتبر أهم وسيلة لتطهير الطبيعة ومکافحة الأقذار والميکروبات .وبالنظر الى هذه الحقيقة المهمة يتضح أن أمر الاسلام بالتيمم بالتراب في حالة عدم بلوغ الماء مطابق لکشف العلوم الطبيعية تماماً .القضية الأساسية التي يجب أن تحظى باهتمام بالغ هي أن القرآن الکريم شدد في آية التيمم على ضرورة طهارة التراب فجاء فيه : فتيمموا صعيداً طيباً ([1]) .وفي الأخبار المروية عن الأئمة في هذا الخصوص أوصي بطهارة تراب التيمم بصراحة ؛ فقد نقل في کتاب وسائل الشيعة حديثان عن الامام الصادق (ع) حيث قال : نهى أمير المؤمنين (ع) أن يتيمم الرجل بتراب من أثر الطريق ، وقال : لا وضوء من موطأ يعني ما تطأ عليه برجلک ([2]) .إن هذا التأکيد يرمي الى توضيح أن التراب عرضة للتلوث غالباً ، لکن التراب الذي لم تطأه أقدام الناس غالباً ما يکون طاهراً .(1) سورة النساء 4 : 43 . (2) وسائل الشيعة ، قسم الطهارة ، باب التيمم .

المؤلف:

90 / ما الغاية من الامتحان الالهي ؟

90 / ما الغاية من الامتحان الالهي ؟

الجواب : بصورة إجمالية ينبغي الالتفات الى أن للامتحان الالهي هدفاً ومعنى آخر . بغية کشف الحقيقة ورفع الغموض يضطر البشر – نتيجة لمحدودية علومهم – الى استعمال الاختبار ، لکن بما أن هذه القضية محالة بالنسبة لله تعالى لاحاطته بجميع الأمور نتيجة العلم اللامحدود الذي لديه ، يکون الامتحان بهذا المعنى بالنسبة له غير معقول ، بل إن امتحانه يحمل معنى آخر وأهدافاً أخرى نبينها فيما يلي :  1-  هدفه من امتحان عباده إعدادهم وتنمية قابلياتهم .حينما يولد الانسان تولد معه سلسلة من القابليات والامکانيات الکامنة والمودعة في فطرته ؛ جميع الکمالات الانسانية والفضائل الأخلاقية مودعة في وجوده وتندمج في فطرته ، لکن هذه القابليات شأنها شأن الثروات الطبيعية لا تظهرالى الوجود إلا بأدوات خاصة ، ولا تخرج من مرحلة القوة الى مرحلة الفعلية إلا بذلک . بدهي أنه ما لم تصل هذه القابلية الى مرحلة الظهور لن ينال الانسان التکامل والفضيلة ومن ثم الثواب الالهي . إنما يحصل هذا الامتحان بهدف تربية البشر وتنمية السجايا الانسانية الرفيعة لديه ؛ فلولا هذه التکاليف والامتحانات لما ظهرت هذه القابليات في وجود البشر قط ، ولما استحق شخص الثواب والتقدير .أوضح أمير المؤمنين (ع) هذه الحقيقة في نهج البلاغة في جملة مختصرة وبليغة وعالية المضامين حيث قال : لا يقولن أحدکم اللهم إني أعوذ بک من الفتنة ؛ لأنه ليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة ، ولکن من استعاذ فليستعذ من مضلات الفتن ([2]) ، ثم أضاف الامام موضحاً العلة من الامتحان قائلاً : ليتبين الساخط لرزقه ، والراضي بقسمه ، وإن کان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم ، ولکن لتظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب والعقاب .کما تلاحظون فان الامام (ع) يعتبر الهدف من الامتحان الالهي ظهور الصفات الداخلية والقابليات الباطنية بشکل فعل خارجي في ظل الامتحان ومن ثم ينال الانسان الثواب والعقاب ، وإلا فبالصفات الداخلية فقط ( بدون عمل خارجي ) لا يمکن إعطاء الثواب ولا تحديد العقاب ، وفي الحقيقة لا يحدث تکامل أبداً .فعلى سبيل المثال عندما اختبر الله تعالى النبي إبراهيم (ع) وذلک بأمره بذبح ابنه ، ليس الهدف منه أن يعلم مدى إطاعة إبراهيم لأوامره من عدمها ، بل الهدف هو تنمية روح الطاعة والتسليم مقابل أوامر الله تعالى التي کانت کامنة في وجود إبراهيم (ع) ، وإيصالها الى مرحلة الفعلية ، وبذا يتقدم إبراهيم (ع) خطوة نحو التکامل . (تأملوا) ولهذا السبب يمتحن الله سبحانه عباده بشتى الصعوبات کما قال جل شأنه : ولنبلونکم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ([3]) .إن المشاکل والصعاب تشبه النار التي تصقل الحديد وتزيد من صلابته ، وکذلک هو الانسان تزيده الحوادث صلابة وقوة فيغدو قادراً على اجتياز کافة العوائق الموجودة في طريق سعادته .حينما نقول : غرض الباري جل وعلا من امتحان عباده إعدادهم وتنمية السجايا الرفيعة في وجودهم ، لا نعني من ذلک أن جميع الأفراد الذين يدخلون الامتحان ينالون هذا الهدف وتنمو لديهم الصفات الأخلاقية السامية ، بل المراد أن الامتحان الالهي يخلق لديهم الأرضية المناسبة لذلک ؛ فمن يروم السعادة الأبدية يغتنم هذه الفرصة ولا يفرط فيها ويصل الى ما يطمح اليه ، وهناک فئة من الناس يسيؤون الاستفادة من ذلک ويبرزون صفاتهم السيئة الکامنة في ذواتهم ويجسدونها في الأعمال القبيحة ، وبالتالي يرسبون في هذا الامتحان ، هذا أحد أسرار الامتحان الالهي .2- الثمرة الأخرى للامتحان الالهي التي تتعلق بالامتحانات الجماعية هي – فضلاً عن موضوع التربية – معرفة الصالح من الطالح ، والمؤمن من الفاسد ، والجيد من الرديء ، لقد أشار القرآن الکريم الى هذه النقطة معبراً عنها بلفظ التمحيص : وليمحص الله الذين آمنوا  ويمحق الکافرين ([4]) .3- الفائدة الثالثة للامتحان الالهي إتمام الحجة على المدعين بلا وجه حق ؛ فهناک من يدعي شيئاً ولکنه في مقام العمل يقوم بشيء آخر ! أي أنهم رجال حديث لا رجال عمل ، فبهذا الامتحان يتضح موقف أولئک .اذا لم يوضع هکذا أفراد على محک الاختبار ، ولم يتضح باطنهم الأجوف المخالف لظاهرهم المنمق ، ربما يبقون على الخطأ ويبقى الآخرون مخدوعين بهم ، مما يدعوهم الى افتراض العذاب الالهي أو عدم ألطافه لهم ظلماً بحقهم ؛ أما الامتحان فيکشف النقاب عن أعمالهم ويجلي صورتهم أمام أنفسهم والآخرين أيضاً ، هذه فلسفة الامتحان الالهي .    (1)    الملک 67 : 2 .(2)   نهج البلاغة ، محمد عبده ، الکلمات القصار 93 .(3)   البقرة 2 : 155 .(4) آل عمران 3 : 14 .

المؤلف:

89 / الموسيقى من وجهة نظر الاسلام

89 / الموسيقى من وجهة نظر الاسلام

الجواب :على الرغم من أن تداول أنواع الموسيقى المختلفة يمنع کثيراً من الأفراد من التفکير الجاد والمنطقي في هذا الصدد ؛ فلا يکونون على استعداد لمطالعة الآثار المدمرة  للموسيقى انطلاقاً من النهج الفکري الخاطيء الذي يصر البعض على التمسک به والقائل (إن تداول الشيء دليل على حسنه وسلامته ) ، إلا أن من ينظر نظرة واقعية لا يکتفي بهذا المقدار أبداً ؛ فيبذل جهده ويضاعف من دراساته بغية الوقوف على الحقيقة .الموسيقى بحاجة الى دراسة من عدة نواحٍ : من ناحية الأضرار الجسدية والآثار المشؤومة التي تترکها على الجهاز العصبي للانسان ، يقول الدکتور ولف ادلر البروفسور في جامعة کولومبيا : أعذب الألحان الموسيقية أيضاً تترک آثاراً مدمرة على أعصاب الانسان ؛ لا سيما في أوقات الحر الشديدة ، حيث يتضاعف تأثيرها السلبي حينئذ .وکتب الدکتور الکسيس کارل الخبير الفرنسي المشهور في علم الفسلجة وعلم الأحياء : يمکن أن يثير الاشباع الهمجي للغرائز نوعاً من الأهمية ، لکن لا شيء منافياً للمنطق أکثر من جعل الحياة ساحة للعب . لا شک ولا ريب في أن الراديو والتلفزيون شريکان في حصول هذه الأزمة الفکرية .وبشکل إجمالي ينبغي إدراج الموسيقى في عداد المواد المخدرة ؛ لاستحالة إنکار آثارها التخديرية ، فللتخدير أنواع وأقسام وبوسع البشر الاستفادة من طرق مختلفة لتخدير أعصابه .يحصل التخدير بواسطة الشرب أحياناً کالمشروبات الکحولية التي تخدر أعصاب الانسان وتعطل قواه العقلية ؛ ويحصل بالاستنشاق أحياناً أخرى ، وذلک نظير مسحوق الهيروئين الذي يرد البدن عبر استنشاقه بالأنف ، فيخدر أعصاب الانسان مدة من الزمن ، لذا يستعمل في المستشفيات  لتخدير المرضى وذلک بحقنه في الوريد .ويحدث التخدير أحياناً  عبر الأذن ؛ فيحدث استماع الموسيقى أثراً تخديرياً في أعصاب المستمع ، ويکون بعض الأحيان غاية في الشدة فيجعل الانسان حيراناً مدهوشاً لا يدري بما يدور حوله ، بعد الالتفات الى هذه النقطة ستصدقون أن الموسيقى لا تعدو عن أداة للتخدير ، وتمتلک جميع أو أغلب عيوب ومضار التخدير .إن التذاذ الأفراد بها يتلخص بأثرها التخديري ، وقد يکون هذا التأثير قوياً جداً الى درجة سلب العقل من الانسان فتنتابه حالة غير طبيعية ويقوم بحرکات غير مألوفة . فعلى سبيل المثال حينما يکون تخدير الموسيقى قوياً يسلب من الانسان القدرة على القضاء الصحيح ؛ وربما يرتکب الانسان في تلک الحالة أعمالاً قبيحة بعيدة عن الشأن الانساني الرفيع عندما يصبح تحت تأثير عوامل المد الصوتي وترتبط قواه العقلية بالألحان والنغمات الموسيقية الحادة .لا أعتقد أن هذا القول بحاجة الى ذکر مثال لتصديقه ؛ ذلک أن کل فرد يقظ يعرف أن الرقص الجماعي والحفلات الليلية التي يرقص فيها الرجال الأجانب مع النساء والتي ترافقها أنغام موسيقية صارخة تخلق غطاءً على عقل وإدراک الانسان ، مما يسهل عليه القيام بأي فعل بعيد عن مقام الانسانية .وأي تخدير أعظم منه حينما يسيطر على الانسان التأثير العارم للموسيقى ويستولي عليه نوع من الارتخاء العصبي فلا يعرف حينها من المفاهيم الانسانية سوى الشهوة والغرام وحب الجمال ، ويغدو بعيداً أشد البعد عن وهج العقل ؛ وعليه ينسى الإدراک والقوى العقلية ولا يبقى يعرف مفاهيماً مقدسة من قبيل الرحمة والمرؤة والعفة والحياء والامانة والمساواة والأخوة والمجد والعظمة والسعي الدؤوب والنشاط والکفاح والصمود في طريق الحق وما شاکل .لا شک في أن الکحول والموسيقى ومنذ اليوم الأول للانسانية کانت أهم وسيلة لمجون الفسقة من الرجال والنساء ، وهم يلجؤن اليها في ظروف خاصة لتخدير أعصابهم . صحيح أن الاسلام لايمنع الانسان من ممارسة اللذات الطبيعية ، لکنه يحول دون اللذات العابرة المتأتية من تخدير الأعصاب وإثارة الغرائز والشهوات والتي تخرج الانسان عن طوره الطبيعي .الحدود الأخلاقية للموسيقى :هل هناک مجال للنقاش في أن أحد أهم عوامل الانحطاط الأخلاقي في المجتمع هي المتحصلة من هذه الأمور ؟ ألا تؤجج الأشرطة الموسيقية الخداعة والمثيرة الفساد والأعمال المنافية للعفة ؟ ألا توجد أصوات النساء حينما ترافقها نغمات موسيقية مثيرة للشهوة روح العشق والتغزل لدى الشباب ؟ ثم هل يبقى في القلب المملوء بالنغمات المثيرة للشهوات والأغاني الغرامية مجال لذکر الله ؟ وهل أن القلب المنهمک في مستنقع الأغاني الغرامية وارتعاش الأمواج الموسيقية يفکر في المحرومين والمساکين ؟هل يتسنى لموجد عوامل السوء هذه أن يکون حلالاً في شريعة سماوية ؟والنتيجة : للنغمات الموسيقية آثار ضارة تتمثل بتخدير الأعصاب من ناحية ، ومن ناحية أخلاقية تحيي لدى الانسان سلسلة من الشهوات ، کما ثبت من ناحية طبية أيضاً أن زيادة الموت المفاجيء في عصرنا الراهن يعود الى عدة أسباب أحدها شيوع الموسيقى ؛ لأنها عامل للهيجان ، والهيجان يعني فقدان توازن الأعصاب ، فالناس الذين تتعرض أعصابهم صباحاً ومساءً للنغمات الموسيقة المختلفة تتلقفهم السکتة الدماغية والقلبية.

المؤلف:

88/ کيف يکون زواج الأقارب ؟

88/ کيف يکون زواج الأقارب ؟

الجواب (1) : قبل زهاء قرن اکتشف مندل قانون التوارث بعد ثمانية أعوام من البحث والتحقيق ، وفيما يلي نقدم شرحاً مختصراً وبلغة بسيطة لهذا القانون :لو اخترنا فأرة بيضاء وأخرى رمادية اللون وجعلناهما يتزوجان ، فسيکون أطفالهما ذوي ألوان رمادية بلا شک ، وعند تزويج هذه الفئران الرمادية مع بعضها البعض ستولد فئران رمادية وأخرى بيضاء . اللون الأبيض والرمادي يطلق عليه اصطلاحاً الصفة . وکما قلنا سابقاً فان الجيل الأول من الفئران يحمل جميعه اللون الرمادي ؛ أي ظهرت إحدى صفات الأبوين واختفت الأخرى ويطلق على الصفة الظاهرة (اللون الرمادي) اصطلاح البارزة أو الغالبة أما الصفة المستترة (اللون الأبيض) فيطلق عليها المضمرة أو المغلوبة .إن العنصر المنتج للصفة (اللون الرمادي أو الأبيض) في المثال المذکور يسمى الجين ، وينتقل من الوالدين الى الأبناء بواسطة الخلايا التناسلية .کلما کانت الخلايا  التناسلية الموجدة لحيوانٍ ما مستوية من ناحية الجينات المنتجة لتلک الصفة أطلق على ذلک الحيوان حيوان خالص من حيث الصفة أو هموزيجوت . ومن المسلم به أن هکذا موجود سينتج خلايا تناسلية متشابهة من حيث ايجاد هذه الصفة ، وبالتالي فان زواج فردين خالصين يؤدي دائماً الى انتاج أبناء يماثلون والديهم تماماً من ناحية الصفة .وکلما کانت الخلايا التناسلية الموجدة لحيوانٍ ما غير مستوية من ناحية الجينات المنتجة لتلک الصفة يسمى ذلک الحيوان هجيناً أو هتروزيجوت . في المثال المذکور کانت الفئران الرمادية اللون المولودة في الجيل الأول حيوانات هجينة ؛ لأن لکل منهما جيناً منتجاً ذا لون رمادي وآخر ذا لون أبيض ، ولا شک ولا ريب أن خلاياهما التناسلية أيضاً لم تکن متساوية ، بل تحتوي 50% منها على جين منتج ذي لون رمادي و50% أخرى تحتوي على جين منتج ذي لون أبيض . بدهي أن زواج فردين هجينين لا ينتج دائماً أبناء يشبهون آباءهم من ناحية الصفة ؛ ففي المثال المذکور کانت بعض الفئران من الجيل الثاني ذات لون أبيض وبعضها الآخر ذات لون رمادي .بعد هذه المقدمة التي ذکرت بغية تعريف القراء الکرام بمقدمات علم الوراثة ، نتطرق الآن بشکل إجمالي الى أصل الموضوع وهو زواج الأقارب من الناحية الطبية والصحية :اليوم ثبت علمياً أنه متى ما وجد مرض وراثي في عائلةٍ ما فان زواج الأقارب في هذه العائلة لا يخلو من المخاطر ؛ لأن احتمال ظهور هذا المرض الوراثي في الأبناء المولودين من زواج الأقارب أکثر بکثير منه في زواج غير الأقارب ، وفيما يلي توضيحاً أکثر في هذا المجال :اذا تزوج شخصان مبتليان بمرض وراثي غالب سيکون لجميع الأبناء جينات غير طبيعية ؛ وبعبارة أخرى : سيکونون هموزيجوت . وسيکون مرض الأبناء المصابين أشد من أبويهم الى درجة أن بعض موارد الهموزيجوت سيموتون قبل الولادة أو بعدها بمدة وجيزة .واذا لم يکن أحد الأبوين يحمل الجين المنتج لهذا المرض الوراثي لا يبتلى جميع الأبناء بهذا المرض ولن يکون مرضهم أشد من أبويهم .وفيما يتعلق بالمرض الوراثي المغلوب ، اذا کان کلا الوالدين هتروزيجوت سيبتلى ربع الأطفال بالمرض ، بينما لو لم يکن أحد الأبوين يحمل جين المرض لما ابتلي أي من الأبناء به . طبعاً في الشق الثاني مع أن نصف الأبناء سيکونون هتروزيجوت ، لکن بما أن المرض الوراثي مغلوب لا يستطيع المرض الظهور في الهتروزيجوت .ومع أخذ ما ورد آنفاً بنظر الاعتبار ينصح بتجنب الزواج من الأقارب قدر الامکان ؛ لکن ينبغي الالتفات الى أنه لو لم يکن کلا الزوجين مصابين بمرض وراثي سوف لن يکون لمثل الزواج المذکور أدنى خطر عليهما . بناء على هذا ، لا صحة لما يظنه البعض من أن الزواج العائلي مضر دائماً ، بل يکون مضراً في حالة وجود مرض وراثي فقط . لکن من الأفضل تجنب مثل هذا الزواج في الموارد المشکوکة رعاية للاحتياط ، وربما لهذا السبب نهت الروايات الاسلامية عن زواج ابن العم وبنت العم إلا في موارد استثنائية .   -------------------------------------------(1) . هذا الجواب للدکتور فریدون زنغنة.

المؤلف:

206-شرائط الرضاع المحرّم

206-شرائط الرضاع المحرّم

الأقوال في المسألةالشرط الثالث من شرائط الرضاع المحرِّم أن تکون تمام الرضعات حال حياة المرضعة، وهو شرط إجماعي بيننا.قال في (المستند): (الشرط الثالث: أن تکون حيّة، بالإجماع کما عن ظاهر (التذکرة) والصيمري)(1).وقال في (الرياض): (ويعتبر في النشر حياة المرضعة وفاقاً، کما يظهر من التذکرة والصيمري)(2).وذکر في (الجواهر) بأنّه لا يظهر خلاف فيه، ثم نقل عن (کشف اللثام) دعوى الإجماع عليه(3).وأمّا أهل السنّة فإنّ أکثريتهم لا يشترطون حياة المرضعة، ولکن اشترطها قلّة منهم، فقد ذکر ابن قدامة في (المغني) بأنّ جماعة کثيرين يقولون بعدم هذا الشرط، ثم نقل عن الشافعي وعن أحمد في بعض کتبه القول بالشرطية(4).أدلة الشرطيّة:لا يوجد في المسألة آية أو رواية خاصة تدل على الحکم فيها، فلا بدّ من الرجوع إلى العمومات والإطلاقات والقواعد والأصول العملية.وأول دليل يمکن ذکره على شرطية الحياة وعدم کفاية الارتضاع من الميّتة هو أصالة الحليّة، والتي يمکن أن تقرّب أيضاً باستصحاب الحليّة. هذا مع عدم شمول الأدلة اللفظية من عمومات وإطلاقات للمورد، وقد ادّعى کثيرون عدم شمولها له، وذُکر في کلماتهم وجهان لذلک.الأوّل: أنّ ظاهر تلک العمومات والإطلاقات کون الاختيار شرطاً في الرضاع، کما في قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُکُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَکُمْ)(5) حيث نسب الإرضاع للأُم، وکيف تُرضع إذا کانت ميّتة؟وفيه: أنّه ليست تمام أدلة الرضاع من قبيل قوله تعالى السابق: أي بصيغة الإفعال، بل بعضها بصيغة الإفتعال أو الفعال، مثل المقطع اللاحق من نفس الآية، حيث يقول تعالى: (وَأَخَوَاتُکُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ)(6)، ومثل قولهم ـ عليهم السلام ـ: ((يحرم من الرضاع…))(7)، ومثل کثير من الروايات التي تشتمل على مثل: ((ارتضع))(8) أو: ((رضع))(9). وکل هذه لا يستفاد منها شرطية الاختيار المذکورة. إذن لا قصور في إطلاقات وعمومات الرضاع عن الشمول لمحلّ البحث.الثاني: وهو ما يمکن أن يقال بعد دفع الوجه السابق ـ بما ذکرناه فيه ـ أنّ هذه الإطلاقات منصرفة إلى الرضاع حال الحياة. ودعوى الانصراف هذه غير بعيدة. ثم إنّه قد نقض بعضهم على الاستدلال بقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُکُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَکُمْ) على شرطية الاختيار بأنّه کيف تخرِّجون إذن فتواکم بنشر الحرمة بالرضاع حال نوم المرضعة أو إغمائها مع أنّه لا يصدق الإرضاع حينئذٍ؟وقد يستفاد من ذلک لإيراد نقض آخر على الوجه الثاني الذي ذکرناه، وهو أنّه ما هو الفرق بين النوم والموت حتى کان الرضاع حال النوم ناشراً للحرمة ولم يکن حال الموت کذلک؟والجواب هو أنّ هناک تفاوتاً بينهما، إذ الأدلة ليست منصرفة عن فرض النوم بينما هي منصرفة عن فرض الموت، لأنّ الارتضاع حال الموت فردٌ نادر.والنتيجة هي أنّه لا يمکن التمسّک بالإطلاقات في المقام إمّا للمحدودية الذاتية حيث إنّ بعضها مثل: (أَرَضَعْنَکُمْ)، وإمّا للانصراف، فنبقى نحن وأصالة الحليّة. إذن لا يکون الرضاع من المرأة الميّتة ناشراً للحرمة.إلاّ أنّ بعضهم حاول إثبات نشره للحرمة عن طريق آخر وهو أنّ لبن الميتة نجسٌ وحرام، وما يکون حراماً لا ينشر الحرمة.وهو ممنوع صغرى وکبرى، أمّا الصغرى فبأنّ اللبن في الضرع من المستثنيات من النجاسات بحسب ما ذکرته الروايات.وأمّا الکبرى فهي أول الکلام، فأنّا لا نشترط في نشر الحرمة لا الحليّة ولا الطهارة، لأنّ الإطلاقات لا يستفاد منها هذه الشرطية، وعلى القائل بالشرطية أن يقيم الدليل عليها.أدلة عدم الشرطية:وأمّا القول بعدم شرطية الحياة فإنّهم تارةً استدلوا عليه بالعمومات والإطلاقات، وأخرى بالاستصحاب. أمّا العمومات والإطلاقات فقد مرّ أنّها منصرفة إلى الرضاع حال الحياة. وأمّا الاستصحاب فتقريبه أنّ اللبن من هذه المرأة کان ينشر الحرمة سابقاً، وبعد الممات نشک في نشره للحرمة، فنحکم ببقاء نشره لها.وفيه: أنّه مبتلى بثلاثة إشکالات:الإشکال الأوّل: أنّ الموضوع قد تبدّل، والموت من تبدّل الموضوع لا من تبدّل الحالات، وإذا شککنا بأنّه من قبيل تبدّل الموضوع أو تبدّل الحالات فأيضاً لا يجري الاستصحاب، لأنّه لابدّ من إحراز وحدة الموضوع.الإشکال الثاني: أنّه تمسّک بالاستصحاب في شبهة حکميّة، وبحسب عقيدتنا لا يجري الاستصحاب في الشبهات الحکميّة. وأمّا کون المورد شبهة حکمية فهو لأننا لا نشک في الموضوع الخارجي لأنّ هذا الصبي قد ارتضع خمس عشر رضعة حتماً، بل نشک في کون الرضعة الخامسة عشر التي ارتضعها حال موت المرضعة هل تحرِّم أو لا؟إذن فنحن نشک في الحکم.الإشکال الثالث: أنّه استصحاب تعليقي، والاستصحاب التعليقي ليس حجة عندنا وعند کثير من المحققين. بيانه:المقصود من الاستصحاب التعليقي هو أن يکون موضوع الاستصحاب مرکّباً من شيئين، قيدٍ ومقيّد، شرطٍ ومشروط، ويکون أحدهما حاصلاً دون الآخر، ويقال بأنّه لو کان يحصل الثاني فإنّه يترتب الحکم، ثم في حالة الشک يستفاد من هذه الشرطية. ومثاله: إذا غلى العصير العنبي فإنّه يحرم بلا إشکال، وبعضهم يقول بأنّه ينجس أيضاً، ولکننا لا نقول بذلک، بل نقول بأنّ ذهاب الثلثين شرط في الحليّة فقط. وعلى أي حال إذا تُرک العنب حتى صار زبيباً ثم أُخذ عصير الزبيب وغُلي، فهل يحرم أيضاً کالعصير العنبي أو لا؟ ذهب بعضهم إلى حرمته تمسکاً بالاستصحاب، ببيان أنّه عندما کان هذا الزبيب عنباً کان يحرم إذا غلى؛ لأنّه يکون متوفراً حينئذٍ على کلا جزئي الحکم بالحرمة، وهما: العصير العنبي مع قيد الغليان، فالآن بعد أن صار عصيراً زبيبيّاً لابدّ أن يحرم إذا غلى، لأنّ العنبية والزبيبية من تبدّل الحالات لا من تبدّل الموضوع، فهما مثل الحنطة ودقيقها، والمهمّ هو المسمّى لا العنوان الخارجي. إذن أحد جزئي موضوع الحرمة حاصل وهو کونه عصيراً زبيبياً، والجزء الثاني ـ وهو قيد الغليان ـ ليس حاصلاً، فترتّبه بالتعليق والشرط.وفي ما نحن فيه يقال: إذا کان الولد قد رضع تمام الرضعات الخمسة عشر زمان حياة المرأة فإنّه يحرم، والآن بعد موتها نشک في أنّه لو ارتضع الرضعة الخامسة عشر هل يحرم أو لا؟ فنستصحب الحرمة السابقة المدلول عليها بـ(إذا).وفيه مختصراً: أنّ الحالة السابقة فيه تعليقية افتراضية، أي أنّ هذا التعليق ليس حکماً شرعياً وإنّما هو أمرٌ ذهني اعتباري، بمعنى أنّ العقل يحلّل حکم الشارع بحرمة العصير العنبي عند الغليان مثلاً إلى قضية شرطية مفادها: إذا غلى العصير العنبي فإنّه يحرم. وهذه القضية ليست حکماً شرعياً حتى يمکن استصحابه بناءاً على جريان الاستصحاب في الشبهات الحکميّة.استدلال بعض العامّة على عدم شرطية الحياة وجوابهذکر بعض فقهاء العامّة قياساً في المقام حاول من خلاله إثبات عدم شرطية الحياة في المرضعة فقال: لو حُلِبَ اللبنُ ووضع في إناءٍ وشربه الرضيع فإنّه يحرم ـ هذا بحسب عقيدتهم ـ، والآن اللبن موجودٌ في ثدي المرأة الميّتة، وليس ثديها بأقلّ من الإناء، إذن إذا شربه الولد فلابدّ أن يحرم أيضاً.وجوابه: أولاً: أننا لم نرتضِ المقيس عليه، بل قلنا بأنّ الامتصاص من الثدي شرطٌ. وثانياً: أنّه قياسٌ مع الفارق، إذ اللبن المشروب من الإناء هو لبن امرأة حيّة، بينما اللبن في المقيس هو لبن امرأة ميّتة؛ وإذا أردتم أن تقيسوا فعليکم أن تجعلوا اللبن في المقيس عليه لبن امرأة ميّتة أيضاً، ونشره للحرمة هو أول الکلام.وصلّى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطاهرين.__________________________(1) المستند 16: 236.(2) الرياض 6: 430.(3) الجواهر 29: 295.(4) المغني 9: 198 ـ 199.(5)النساء: آية 23.(6) النساء: 23.(7) الوسائل 20: 371، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب1، ح1.(8) الوسائل 20: 378، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب2، ح13 ـ 17.(9) الوسائل 20: 403، أبواب ما يحرم من الرضاع، ب15، ح2 ـ 3.

المؤلف:

205-شرائط الرضاع المحرِّم

205-شرائط الرضاع المحرِّم

کان البحث في الشرط الثاني من شروط نشر الحرمة بالرضاع، وهو شرطية الامتصاص من الثدي، وقد انتهينا من بيان أدلة الشرطية، وبقي علينا التعرّض لأدلة عدم الشرطية فنقول:أدلّة عدم الشرطيّةيمکن أن يُستدل للقول بعدم الشرطية والذي هو قولٌ شاذ بين علمائنا ومشهور عند علماء العامّة بطائفتين من الروايات.الطائفة الأولى: الروايات التي تقول بکفاية الوجور في الحلق في نشر الحرمة، وفيها عدّة روايات.الرواية الأولى: محمد بن علي بن الحسين ـ الصدوق ـ قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ: ((وجور الصبي بمنزلة الرضاع))(1).وهي مرسلة سنداً فلا تکون حجة عندنا، وإن کُنّا نقسّم المراسيل إلى قسمين: قسمٌ ضعيف جداً، وقسمٌ يمکن ملاحظته؛ ومن القسم الثاني ما إذا قال الکليني أو الصدوق ـ عليهما الرحمة ـ: (قال الصادق) مثلاً، حيث إنَّ هذا التعبير يدل على اعتبار السند عند الصدوق أو الکليني عليهما الرحمة، وهذا بخلاف ما لو کانت عبارتهما: (روي عن الصادق) إذ لا يعلم منها قبولهما للسند. ولکن على کلا الحالين تکون الرواية مرسلة ولا يصحّ الاعتماد عليها.ولکن دلالتها جيّدة، وإطلاق التنزيل ظاهر في کون المنزّل مشمولاً لتمام أحکام المنزّل عليه.إن قلت: لماذا قال الإمام ـ عليه السلام ـ بأن الوجور بمنزلة الرضاع ولم يقل بأنَّ الوجور رضاعٌ؟قلنا: لأن مفهوم الرضاع متضمنٌ للامتصاص من الثدي، والوجور ليس فيه امتصاصٌ فلا يصح أن يقال عنه: رضاع. فتعبير الإمام ـ عليه السلام ـ إذن تعبير دقيق، وهو دليلٌ واضح على ما ذکرناه بالأمس من أنّه من دون امتصاص للثدي لا يصدق الرضاع.ولو فرض أننا سلّمنا تمامية سندها فإنّ العمل بها يبقى مشکلاً، وذلک لإعراض المشهور عنها. وقد حملها بعضهم ـ لأجل إعراض المشهور ـ على التقيّة لذهاب العامّة إلى کفاية الوجور.الرواية الثانية: دعائم الإسلام: عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه قال: ((إذا أُوجِرَ الصبيُّ أو أُسعِط باللبن ـ يعني في الحولين ـ فهو رضاع))(2).والسعوط هو إدخال الدواء أو الماء أو غير ذلک کاللبن إلى الجوف عن طريق الأنف. والرواية مرسلة فلا يصح الاعتماد عليها.ودلالتها أيضاً مشکلة من ناحية السعوط، حيث إنّه في زماننا وتبعاً لتقدّم الطبّ يمکن بسهولة إدخال الطعام عن طريق الأنف، ولکن کم هو المقدار الذي کان يمکن إسعاط الولد به سابقاً؟ يجب لکي يحصل الرضاع المحرّم أن يرتضع الولد عشر رضعات کاملات على أقلّ التقادير عندنا ـ ونحن نقول بلزوم خمس عشر رضعة ـ فهل کان يمکن إسعاط الولد بهذا المقدار؟ولذا لابدّ لنا من أن نقول بأنَّ مضمون هذه الرواية لا يکون معقولاً إلاّ على مبنى العامّة الذين لا يقولون بحدٍّ معيّن للرضاع، وقد تعرّض لأقوالهم ابن رشد في (بداية المجتهد) فقال: (أمّا مقدار المحرّم من اللبن فإنّ قوماً قالوا فيه بعدم التحديد)(3).الرواية الثالثة: ما رواه في المستدرک في ذيل الرواية السابقة فقال: (الجعفريات): بالسند المتقدّم عنه ـ عليه السلام ـ مثله.وکتاب (الجعفريات) له سندٌ ولکنه غير تامٍ، فتکون الرواية مشکلة سنداً. کما أنّ نفس الإشکالات الواردة على الرواية السابقة تردّ على هذه الرواية أيضاً.الطائفة الثانية: الروايات التي تقول بأنّ الرضاع يحصل بما يشدّ العظم وينبت اللحم، وهي ثلاث روايات، اثنتان منها معتبرة سنداً.الرواية الأولى: صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ((لا يحرم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم والدم))(4).الرواية الثانية: عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ يقول: ((لا يحرم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدَّ العظم))(5).الرواية الثالثة: ودلالتها أفضل من سابقتيها، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ أو أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ((إذا رضع الغلام من نساء شتّى وکان ذلک عدّة)) أي عشر رضعات أو خمس عشر رضعة، ((أو نبت لحمه ودمه عليه حَرُم عليه بناتهنّ کلّهنَّ))(6).وتقريب الاستدلال بهذه الروايات أن يقال بأنّ المعيار هو إنبات اللحم وشدّ العظم لا المصّ من الثدي، ولا يتفاوت الحال فيه بين الوجور وغيره؛ أي يُفهم بنحو عموم العلّة.وقد ذکر هذا الاستدلال شاذٌ من الخاصة، وذکره العامّة أيضاً.وجوابه: أنّه لا شک في أنّ مسألة إنبات اللحم وشدّ العظم ليست هي تمام العلّة، ويمکن أن تکون جزءاً للعلة، ولو کانت تمام العلّة إذن لماذا يشترط وجود الفحل ووحدته وکون الرضاع في الحولين…؟إذن غاية ما يمکن أن يستفاد من هذه الروايات هو أن إنبات اللحم وشدّ العظم جزءاً من علّة التحريم أو حکمةً له. وفي الواقع هذا قياسٌ مستنبط العلّة لا منصوص العلّة، والاستنباطات ظنّية لا يعوّل عليها.إذن لم يتم شيء من أدلة هذا القول، فالحق مع المشهور القائلين بشرطية الامتصاص. وصلّى الله عليه سيدنا محمدٍ وآله الطاهرين._______________________(1) الوسائل 20: 394، أبواب ما يحرم  بالرضاع، ب 7، ح3.(2) المستدرک 14: 370، أبواب ما يحرم من الرضاع، ب 5، ح2.(3) بداية المجتهد 2: 29.(4) الوسائل 20: 382، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب 3، ح1.(5) الوسائل 20: 382، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب3، ح2.(6) الوسائل 20: 382 ـ 383، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب3، ح3.

المؤلف:

204-شرائط الرضاع المحرِّم

204-شرائط الرضاع المحرِّم

يقول الإمام الخميني ـ قدّس سرّه ـ: (الثاني: أن يکون شرب اللبن بالامتصاص من الثدي، فلو وجر في حلقه اللبن أو شرب المحلوب من المرأة لم ينشر الحرمة).الأقوال في المسألةالمستفاد من کلمات علمائنا أنَّ شرطية الامتصاص من الثدي في نشر الحرمة بالرضاع مشهورة ومعروفة، وخالف في ذلک قلّة من علمائنا.قال المحقق الثاني ـ قدّس سرّه ـ: (اختلفوا في اشتراط الامتصاص من الثدي، فالأکثر على اشتراطه، فلو احتلب اللبن ثم وجر في حلق الرضيع لم ينشر حرمة، وقال ابن الجنيد ينشر، وهو قول الشيخ في المبسوط)(1).ولکن ذکر صاحب (الجواهر) ـ قدّس سرّه ـ بأنَّ الشيخ الطوسي ـ قدّس سرّه ـ قد ذهب إلى عدم شرطية الامتصاص في موضع من المبسوط فقط، بينما قوّى المشهور في مواضع أُخر(2).وعلى هذا فأنَّ المحقق الثاني ـ قدّس سرّه ـ لم يرَ إلاّ مورداً واحداً من کلام الشيخ ـ قدّس سرّه، بينما اطّلع صاحب (الجواهر) ـ قدّس سرّه ـ على عدّة موارد من کلامه.وأمّا النراقي ـ قدّس سرّه ـ فأنّه بعد أن يدّعي الشهرة ويذکر بعض العبائر يقول بأنّ الفيض في المفاتيح قوّى ما ذهب إليه ابن الجنيد(3).وأمّا فقهاء العامّة فالمستفاد أنَّ أکثرهم يقولون بعدم الشرطية، إلاّ أنَّ ابن رشد يذکر في (بداية المجتهد) بأنَّ هناک قولين بين علمائهم، وأکثرهم قائلون بعدم شرطية الامتصاص. وعبارته هي:(إنَّ مالکاً قال: يُحرّم الوجور واللدود) وهو إلقاء اللبن في طرف الفم، (وقال عطاء وداود: لا يُحرّم)(4).إذن المشهور بين علمائنا هو شرطية الامتصاص من الثدي بينما المشهور عند العامّة هو عدم الشرطية.أدلّة الشرطيّةالدليل الأوّل: عدم صدق الرضاع بشرب اللبن من دون امتصاص الثدي، أي أنّ مفهوم الرضاع لا يتحقق إلاّ بذلک، وهذا هو المتبادر من الرضاع. ومع عدم الامتصاص من الثدي يشک في تحقق الرضاع وعدمه، فلا تشمله إطلاقات ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))(5) و(وَأُمَّهَاتُکُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَکُمْ)(6) وغيرها، ويرجع حينئذٍ إلى أصالة الحليّة.الدليل الثاني: الروايات، وهي على الأقل ثلاث:الرواية الأولى: وبإسناده ـ أي الشيخ الطوسي ـ عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن الحسن بن حذيفة بن منصور، عن عبيد بن زرارة، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: ((لا يحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد حولين کاملين))(7).والاستدلال بها مشکلٌ من حيث السند والدلالة.أمّا السند فمن ناحية الحسن بن حذيفة بن منصور، حيث قد ضعّفه ابن الغضائري رحمه الله. وقد يقال بأنّ تضعيفاته لا تضرّ لأنّه کان صعباً في الرجال، ولکنه ـ أي الحسن بن حذيفة ـ على أيّ حال لم يُذکر بتوثيق، ومن المعلوم أنّه لأجل الحکم بوثاقة شخص لابدّ وأن يُذکر بتوثيق؛ فلا يصح الاعتماد على ما يرويه الحسن بن حذيفة، خصوصاً أنَّ العلاّمة ـ قدّس سرّه ـ ينقل تضعيف ابن الغضائري له ويُستشم منه موافقته له.وأمّا الدلالة فمن ناحيتين:الأولى: أنّها متضمنة لشيء مخالف للإجماع، حيث إنّها تشترط لزوم الرضاع حولين کاملين، وهذا ما لم يقل به أحدٌ، بل غاية ما قيل ـ وعليه المشهور ـ أنّه يکفي في التحريم خمس عشر رضعة. وقد وجهها بعضهم بأنَّ المقصود هو أن يکون الرضاع في الحولين، أي أنّ الرضاع يؤثر إلى تمام السنتين. ولکنّه توجيه على خلاف الظاهر، خصوصاً مع التوصيف بـ (کاملين).الثانية: أنَّ استفادة الشرطية منها مبنية على ثبوت المفهوم لکلمة (ثدي) في قوله ـ عليه السلام ـ: ((من ثدي واحد)) وأنَّه إن لم يرتضعا من الثدي فلا يحرمان، ولکنه لا مفهوم لهذه الکلمة بل هي من قبيل القيد الغالبي، بمعنى أنّ الغالب في الرضاع هو إلتقام المرتضع للثدي. ومن هذا القبيل ما ذکروه من أنّه لا مفهوم لقيد ((في حجهورکم)) في قوله تعالى: (وَرَبَائِبُکُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِکُم)(8) لأنّه قيد غالبي، ولذا تحرم الربيبة سواء کانت في الحجر أو لا.الرواية الثانية: ما رواه الکليني ـ رحمه الله ـ بسند تامّ عن الحلبي عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ((جاء رجل إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ امرأتي حلبت من لبنها في مَکُوک)) أو: مکُّوک)) وهو ظرف يوضع فيه الحليب أعلاه واسع وأسفله ضيّق، وله معنى آخر هو الظرف الذي سعته مُدّ وکان يستعمل سابقاً للکيل ((فأسقته جاريتي، فقال: أوجع امرأتک وعليک بجاريتک))(9).فيقال بأنّها صريحة في الدلالة على شرطية الامتصاص من الثدي، إلاّ أنّ ذلک غير صحيح؛ لأنَّ الظاهر أنَّ الجارية کانت کبيرة إلى حدّ تقبل الاستمتاع، فيحتمل عدم نشر الحرمة من هذه الجهة. ولو تنزّلنا وقلنا بأنّه من غير المعلوم أنَّ الجارية کانت کبيرة فإنّ جهة عدم النشر فيها تکون مبهمة، حيث لا يعلم بأنّ الجارية لم تحرم على صاحبها لأجل عدم الامتصاص من الثدي، أو لأجل کونها کبيرة أو لغير ذلک، فتکون دلالتها مجملة فلا يمکن الاستناد إليها في إثبات شرطية الامتصاص.الرواية الثالثة: صحيحة العلاء بن رزين عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: ((لا يحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضع من ثدي واحد سنة))(10).وفي دلالتها نفس الإشکالين الواردين على الرواية الأولى، ولا يجري فيها التوجيه الذي ذکر هناک من کون الرضاع في الحولين؛ لأنها تذکر أنَّ الرضاع کان سنة واحدة لا سنتين.بقي هنا شيءوهو أنّه وجد في زماننا نوعٌ من الرضاعة عبارة عن وضع حلمة صناعية فوق الحلمة الطبيعية لأسباب مختلفة وتلتصق بالحلمة الطبيعية، فإذا رضع الولد فإنَّ شفتيه لا تتماسان مع ثدي المرضعة، فهل ينشر هذا الرضاع الحرمة أو لا؟الظاهر أنه يصدق الرضاع بذلک، لأن العرف بإلغائه الخصوصية يراه امتصاصاً للثدي، فينشر الحرمة.نتيجة البحثإذن ليس هناک دليلٌ من الروايات على هذا الشرط، فينحصر دليل القول المشهور بأصالة الحليّة بعد عدم صدق الرضاع.وصلّى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطاهرين _______________________(1) جامع المقاصد 12: 211.(2) الجواهر 29: 294.(3) المستند 16: 260.(4) بداية المجتهد 2: 31.(5) الوسائل 20: 371، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب1، ح1.(6) النساء: 21.(7) الوسائل 20: 386، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب 5، ح8.(8) النساء: 23.(9) الوسائل 20: 393 ـ 394، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب7، ح1.(10) الوسائل 20: 378، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب2، ح13.

المؤلف:

203-شرائط الرضاع المحرِّم

203-شرائط الرضاع المحرِّم

يقول الإمام الخميني ـ قدس سره ـ: (مسألة 1: لا يعتبر في النشر بقاء الحرمة في حبال الرجل). وهذا هو أساس المسألة، ثم يذکر ـ قدس سره ـ صوراً لذلک:الصورة الأولى: (فلو طلّقها الزوج أو مات عنها وهي حامل منه أو مرضعة فأرضعت ولداً نشر الحرمة).الصورة الثانية: (وإن تزوّجت ودخل بها الزوج الثاني ولم تحمل منه).الصورة الثالثة: (أو حملت منه وکان اللبن بحاله لم ينقطع ولم تحدث فيه زيادة، بل مع حدوثها إذا احتمل کونه للأوّل) وفي ذلک إشارة إلى صورة رابعة. ولم يذکر ـ قدس سره ـ صورة خامسة متصوّرة في المسألة، وهي أن تضع المرأة حملها الثاني ويبقى اللبن مستمراً، فيبحث عن أنّه يکون للفحل الثاني أو مشترکاً بين الفحلين؟الأقوال في المسألةتعّرض کلٌ من فقهاء الشيعة والسنّة لهذه المسألة، فقد تعّرض لها في (الجواهر) و(المسالک) تبعاً للمحقق في (الشرائع)، وفي (جامع المقاصد) والذي لعلّه أفضل من بحث في المسألة، وقد شقّقها إلى ست صور. وأيضاً من جملة من تعّرض للمسألة من العامّة ابن قدامة في (المغني)، وقد ذکر فيه عدّة صور أيضاً.أمّا الصور التي ذکرها في (جامع المقاصد) فهي بتصرّف منّا:الصورة الأولى: أن تُرضع المرأة بلبن زوجها بعد خروجها من حباله.الصورة الثانية: نفس الصورة السابقة ولکن بعد زواجها من آخر وقبل أن تحمل منه.الصورة الثالثة: نفس الصورة السابقة ولکن بعد الحمل وقبل الولادة ومن دون أن يزداد اللبن.الصورة الرابعة: نفس الصورة السابقة ولکن مع زيادة في اللبن.الصورة الخامسة: نفس الصورة السابقة ولکن مع انقطاع اللبن مدّة ثم عوده مرّة أخرى، ويجري البحث في کونه لبناً للفحل السابق أو للحالي.الصورة السادسة: نفس ما سبق وتضع المرأة حملها، ويحتمل هنا کون بعض اللبن من لبن الولد السابق(1).الأدلة في المسألةلا يوجد في هذه المسألة نصٌ خاص، غايته هناک عمومات وإطلاقات وأصول عمليّة ودعوى الإجماع. والظاهر أنّ الإجماع مدرکي، لأنّه يحتمل کون مستند المجمعين العمومات والإطلاقات والأصول العمليّة.والأصل العملي الجاري في المقام هو الاستصحاب، أي استصحاب بقاء اللبن السابق، هذا مع استمرار اللبن، وأمّا إذا انقطع اللبن ثم عاد فإنّه تجري أصالة الحليّة ولا يجري الاستصحاب بسبب تبدّل الموضوع، والمقصود بأصالة الحليّة أصالة عدم نشر الحرمّة.سؤال: إنّ وجود اللبن وحصوله في الثدي تدريجي، وجريان الاستصحاب فيه مبني على جريان الاستصحاب في الأمور التدريجية، فهل تقولون به؟والجواب: أنَّ بقاء الموضوع شرط في الاستصحاب بلا إشکال، ولکن هل المناط فيه هو العقل أو العرف؟ إذا کان المناط هو العقل فإنَّ الموضوع في المقام قد تبدّل حتماً، لأنَّ هذا اللبن الآن هو غيره سابقاً وغير ما سوف يأتي، ولکن إذا لوحظ الموضوع بالنظر العرفي فإنَّ المتصل من اللبن يکون شيئاً واحداً عرفاً، لأنَّ الإتصال عرفاً دليل الوحدة، ومن المعلوم أنَّ المناط في الفقه والأصول هو النظر العرفي، إذن لا يکون هناک مشکلة في الاستصحاب من حيث التدريجية. وإذا قيل بالحرکة الجوهرية فإنّه لا يوجد شيء في عالم الإمکان واحدٌ أبداً، لأنّه بحسب هذه النظريّة تکون تمام الذرّات في حرکة مستمرّة، ولکن هذه نظرية فلسفية لا يمکن أن يکون لها تأثير في مسائل الفقه والأصول.حکم صور المسألةبعد بيان الأقوال في المسألة وصورها والأدلة التي يمکن الاستناد إليها فيها بقي علينا أن نبيّن حکم الصور التي ذکرها المحقق الکرکي ـ قدس سره ـ فنقول: أمّا الصورتان الأولى والثانية فمن الواضح أنَّ اللبن فيهما هو لبن الولد السابق، فينشر الحرمة بلحاظه ولحاظ أبيه؛ لأنّه ليس هناک دليلٌ على لزوم بقاء الزوجية في نشر الحرمة، وإطلاقات ((ولد الفحل)) أو ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) أو ((درّ لبنها بعد الولادة)) وغيرها تشمل المقام بلا إشکال.وأمّا الصورة الثالثة فأن کنّا نحن وظاهر الحال فإننا نقول بأنَّ هذا اللبن هو للفحل السابق وليس مستنداً إلى الحمل، فتشمله الإطلاقات السابقة؛ ولا نحتاج هنا إلى الاستصحاب لأنَّ ظاهر الحال مقدّم عليه، طبعاً لابدّ في الظهور أن يکون بالمستوى الذي يراه العقلاء حجة.وأمّا الصورة الرابعة فأنّهم حکموا فيها أيضاً بکون اللبن للفحل السابق.إنّ قلت: إنَّ عدم استقرار اللبن وزيادته دليل على کونه من الحمل.قلنا: غاية ما يسبّبه عدم الاستقرار هذا الشک في کون اللبن للفحل السابق أو للفحل الحالي والحمل، ومع الشک يمکننا أن نستصحب کونه للسابق، لأنَّ الزيادة والنقصان من تبدّل الحالات التي لا تضرّ في الاستصحاب. نعم، إذا شهد خبيرٌ بأنَّ اللبن فعلاً بعد الزيادة هو من الحمل وحصل الاطمئنان من قوله فإنَّ في ذلک بحثاً.ثم إنَّ المحقق الکرکي ـ قدس سره ـ ينقل في هذه الصورة قولاً بالتفصيل عن الشافعي، مفاده أنّه إذا زاد اللبن بعد أربعين يوماً من أول الحمل فإنَّ اللبن الزائد هو من الحمل، فيکون اللبن مختلطاً بين الفحلين.وهذا الکلام ليس إلاّ استحساناً ودليلاً ظنيّاً لا يمکنه أن يقف في قبال الاستصحاب. نعم، إذا تيقّن بکون الزيادة من الثاني فأنَّ اللبن يکون مشترکاً بين الفحلين، فإذا قيل بشرطية الولادة في نشر الحرمة ـ ونقول بها ـ فإنّه ينشر الحرمة بلحاظ الفحل الأوّل فقط، وإلاّ فينشر الحرمة بلحاظ کليهما.وأمّا الصورة الخامسة فأنّه مع انقطاع اللبن مدّة طويلة ـ لا عدّة أيام أو ساعات ـ لا يمکن استصحاب کونه من الفحل السابق. وظاهر الحال هنا کون اللبن من الحمل، فلا ينشر الحرمة بلحاظ الفحل الثاني إلاّ على القول بعدم شرطية الولادة.وأمّا الصورة السادسة فأنّه مع إتصال اللبن بعد الولادة يبعد إجراء الاستصحاب؛ لأنَّ الموضوع قد تبدّل بوضعها لحملها، وظاهر الحال کون اللبن حينئذٍ للولد الثاني. والمشهور هنا بل عليه دعوى الإجماع من الخاصّة والعامّة أنَّ اللبن هو للفحل الثاني وينشر الحرمة بلحاظه ولحاظ ولده.وصلّى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطاهرين ___________________________(1) جامع المقاصد 12: 205.

المؤلف:

303-المصاهرة

303-المصاهرة

بقي هنا نکتتان:الأولى: أنّ لهذه المسألة فروعاً مختلفة وصوراً عديدة تأتي الإشارة إلى بعضها في المسائل اللاحقة، ولکن أمّهات هذه الفروع والصور هي الصور الأربع السابقة، ويعلم حکم البقية ممّا سبق؛ فإمّا يُعمل بالاحتياط، أو بالقرعة، أو يرجع إلى قاعدة العدل والإنصاف.الثانية: قاعدة العدل والإنصاف:لم تبحث هذه القاعدة ـ بحسب اطّلاعي ـ بشکل مستقلّ في کلمات الفقهاء والأصوليين، وإنّما يشيرون إليها بشکل عابر ضمن أبحاثهم، وأحياناً لا يقبلون بها. وهي قاعدة عقلائية في باب الأموال، يعمل بها ـ مثلاً ـ فيما إذا وقع خلاف على مال بين جماعة من دون أن يعلم صاحبه؛ ولا يرجع إلى قاعدة القرعة.أدلة القاعدة1 ـ بناء العقلاء: حيث إنّ سيرة العقلاء جارية ـ ومنذ القدم ـ على تنصيف المال أو توزيعه حصصاً بحسب الأطراف المتنازعين فيما إذا لم يمکن تعيين المالک بشکل ما، سواء في الأخذ أو الإعطاء، کما في تقسيم الدية عند اشتباه القاتل بين عدّة أشخاص.2 ـ الروايات الکثيرة الواردة في مختلف أبواب الفقه من القضاء وإلى الإرث والصلح. وتصلح هذه الروايات دليلاً مستقلاً على القاعدة بعد إلغاء الخصوصية بينها، کما وأنّها دليل على إمضاء الشارع المقدّس للبناء العقلائي السابق.وأمّا تسمية هذه القاعدة بقاعدة العدل والإنصاف فليس المراد منها العدالة المطلقة؛ لأنّ العدالة المطلقة هي أن نعطي تمام الحقّ إلى صاحب الحق، ولکنّها على کلّ حال عدالة نسبية يصل معها شيء من الحقّ بحسب النسبة إلى صاحب الحقّ، بينما يحتمل ألاّ يصل إليه شيء فيما لو عملنا بالقرعة.1 ـ... عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله عليه السلام: ((إنّ رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في دابة في أيديهما، وأقام کل واحد منهما البيّنة أنّها نتجت عنده، فأحلفهما علي عليه السلام... فقيل له: فلو لم تکن في يد واحد منهما وأقاما البيّنة؟ فقال:... فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين...))(1).2 ـ... عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ: ((إنّ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ اختصم إليه رجلان في دابة وکلاهما أقام البيّنة أنّه أنتجها، فقضى بها للذي في يده، وقال: لو لم تکن في يده جعلتها بينهما نصفين))(2).3 ـ... عن تميم بن طرفة: إنّ رجلين عرّفاً بعيراً [يعني: ادّعيا بعيراً] فأقام کل واحد منهما بيّنة، فجعله أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ بينهما(3).4 ـ محمد بن علي بن الحسين بإسناده، عن عبد الله بن المغيرة، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في رجلين کان معهما درهمان فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الآخر: هما بيني وبينک، فقال: ((أمّا الذي قال: هما بيني وبينک فقد أقرّ بأنّ أحد الدرهمين ليس له وأنّه لصاحبه، ويقسّم الآخر بينهما))(4).5 ـ محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن السکوني، عن الصادق، عن أبيه ـ عليه السلام ـ في رجل استودع رجلاً دينارين فاستودعه آخر ديناراً فضاع دينار منها قال: ((يعطي صاحب الدينارين ديناراً، ويقسّم الآخر بينهما نصفين))(5).6 ـ ... عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في امرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة، قال: ((ما کان من متاع النساء فهو للمرأة، وما کان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شيء منه فهو له))(6).أي ومن استولى منهما على شيء من المتاع سواء کان من متاع النساء أو من متاع الرجال فهو له. وقد حاول بعضهم إعطاء معنى آخر لهذه الفقرة، فحذف (منه)، فصار المقصود الإشارة إلى قاعدة اليد، أي أنّ کل ذي يد هو صاحب الحقّ في ما تحت يده. ولکن الصحيح ما ذکرناه من أنّ المراد هو متاع البيت فقط لا کلّ شيء.7 ـ... عن رفاعة النخاس، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ((إذا طلّق الرجل امرأته وفي بيتها متاع فلها ما يکون للنساء، وما يکون للرجال والنساء قُسّم بينهما...))(7).8 ـ ... عن السکوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي ـ عليهم السلام ـ في رجل أقرّ عند موته لفلان وفلان، لأحدهما عندي ألف درهم، ثم مات على تلک الحال، فقال علي ـ عليه السلام ـ: ((أيهما أقام البينة فله المال، وإن لم يقم واحد منهما البينة فالمال بينهما نصفان))(8).9 ـ ... عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: المولود يولد، له ما للرجال وله ما للنساء، قال: ((يورث من حيث يبول من حيث سبق بوله،فإن خرج منهما سواء فمن حيث ينبعث، فإن کانا سواء ورث ميراث الرجال وميراث النساء))(9).10 ـ ... عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر بن محمد، عن أبيه ـ عليهما السلام ـ: أنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ کان يقول: ((الخنثى يورث من حيث يبول... فإن مات ولم يبل فنصف عقل المرأة ونصف عقل الرجل))(10).11 ـ... عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه ـ عليهما السلام ـ: ((إنّ عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ قضى في الخنثى... فإن لم يبل من واحد منهما حتى يموت فنصف ميراث المرأة ونصف ميراث الرجل))(11).فحکم الإمام ـ عليه السلام ـ بالتنصيف هنا في ميراث الخنثى المشکل ليس هو إلاّ لأجل قاعدة العدل والإنصاف. ومن الممکن في الخنثى المشکل أحياناً أن يرجع إلى القرعة، ولکن في مورد الأموال نرجع إلى قاعدة العدل والإنصاف وندع القرعة.12 ـ ... عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ((قضى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في أربعة شربوا مسکراً، فأخذ بعضهم على بعض السلاح فاقتتلوا فقتل اثنان وجرح اثنان، فأمر المجروحين فضرب کلّ واحد منهما ثمانين جلدة [حدّ شرب الخمر] وقضى بدية المقتولين على المجروحين...))(12) والحال أنّه يمکن أن يکونوا قد قتلوا بيد شخص واحد، ولکن بما أنّه أمرٌ مالي يرجع إلى قاعدة العدل والإنصاف.والشيء الذي يستفاد من هذا الحديث أنّ الجنايات التي تحصل في حال السکر تکون جنايات شبه عمدية؛ وذلک لأنّ الإمام ـ عليه السلام ـ لم يحکم بالقصاص وإنّما حکم بالدية. وهناک أحاديث أخرى غير ما سبق رواها في (المستدرک)(13)، ويمکن أن يکون هناک غيرها.والنتيجة: مع ضمّ هذه الروايات بعضها إلى بعض وإلغاء الخصوصية بينها نحصل على حالة شبيهة بالاستقراء يستفاد منها قاعدة کلية باسم قاعدة العدل والإنصاف، تجري في أبواب الأموال.وبهذا يظهر ما في کلام السيد الحکيم ـ قدّس سرّه ـ حيث ناقش في هذه القاعدة بأنّه لا يمکن التعدّي عن مورد الروايات والوصول إلى قاعدة کليّة منها؛ وذلک لأنّ هذه الموارد ليست في أبواب العبادات حتى تکون تعبدية لا يمکن التعدّي عنها.وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.__________________________(1) الوسائل 27: 250، أبواب کيفية الحکم، الباب 12، ح2.(2) المصدر السابق: ح3.(3) المصدر السابق: ح4.(4) الوسائل 18: 450، کتاب الصلح، الباب 9، ح1.(5) الوسائل 18: 452، کتاب الصلح، الباب 12، ح1.(6) الوسائل 26: 216، أبواب ميراث الأزواج، الباب 8، ح3.(7) المصدر السابق: ح4.(8) الوسائل 19: 323، کتاب الوصايا، الباب 25، ح1.(9) الوسائل 26: 285، أبواب ميراث الخنثى، الباب2، ح1.(10) المصدر السابق: ح2.(11) المصدر السابق: ح6.(12) الوسائل 29: 233 أبواب موجبات الضمان، الباب 1، ح1.(13) المستدرک، أبواب موجبات الضمان، الباب 2، ح1، 2، 3. والباب 10 من أبواب کيفية الحکم، ج17، ح1. والباب 5 من أبواب الصلح، ح1.

المؤلف:

302-المصاهرة

302-المصاهرة

يقول الإمام الخميني قدّس سرّه: (مسألة 16: لو تزوّج بالأختين ولم يعلم السابق واللاحق، فإن علم تاريخ أحدهما حکم بصحته دون الآخر، وإن جهل تاريخهما فإن احتمل تقارنهما حکم ببطلانهما معاً، وإن علم عدم الاقتران فقد علم إجمالاً بصحة أحدهما وبطلان الآخر، فلا يجوز له عمل الزوجية بالنسبة إليهما أو إلى إحداهما ما دام الاشتباه، والأقوى تعيين السابق بالقرعة، لکن الأحوط أن يطلّقهما أو يطلّق الزوجة الواقعية منهما ثم يزوّج من شاء منهما، وله أن يطلّق إحداهما ويجدّد العقد على الأخرى بعد انقضاء عدّة الأولى إن کانت مدخولاً بها).هذه المسألة والمسائل الأربع اللاحقة کلّها من فروع المسألة السابقة، أي مسألة حرمة الجمع بين الأختين.ولا يوجد في هذه المسألة نصّ خاصّ، ولذا لابدّ من بيان حکمها بحسب ما تقتضيه القواعد.وقلَّ من تعرّض للبحث في هذه المسألة وإن کان قد تعرّض لها جمعٌ من الأعاظم، مثل العلامة الحلّي ـ رحمه الله ـ في (القواعد)، ويتبعه کل من شرح (القواعد) مثل المحقق الکرکي ـ رحمه الله ـ في (جامع المقاصد)(1)، ومثل صاحب الجواهر قدّس سرّه(2)، والسيد الحکيم قدّس سرّه(3)، فبحثها بشکل مفصّل رغم أنّ کتابه مبني على الاختصار.وعلى کلّ حال في المسألة ثلاث صور:الصورة الأولى: أن يکون أحدهما معلوم التاريخ دون الآخر، کأن يعلم بأنّ عقد فاطمة ـ مثلاً ـ وقع في رجب، وأمّا عقد خديجة فلا يُعلم أنّه وقع قبله أو بعده، فما هو الحکم؟لابدّ هنا من الحکم بصحة العقد معلوم التاريخ؛ لأنّه يمکن استصحاب عدم تقدّم العقد مجهول التاريخ على رجب، فيکون العقد معلوم التاريخ مستجمعاً لأرکان الصحة فيکون صحيحاً.وبعبارة أخرى: هاهنا أمران لابدّ من ثبوتهما لکي يُحکم بالصحة، أوّلهما ـ وهو وقوع العقد على فاطمة ـ حاصلٌ بالوجدان، والثاني ـ وهو عدم تقدّم العقد على خديجة عليه ـ يثبت بالاستصحاب. والأمر الثاني هنا هو أمرٌ عدمي يمکن إثباته بالاستصحاب، لا أمرٌ وجودي کحيثية التأخّر ـ مثلاً ـ حتى يکون إجراء الاستصحاب بلحاظها أصلاً مثبتاً.إن قلت: ألا يُثبت هذا الاستصحاب التقارن بين العقدين؟ لأنّ استصحاب عدم تقدّمه لا يثبت تأخّره، إذن يکون مقارناً مع العقد الآخر، فيبطل کلا العقدين.قلنا: صحيحٌ أنّ استصحاب عدم تقدّمه لا يثبت تأخّره، ولکنّه لا يثبت مقارنته؛ لأنّ هذا لازم عقلي فيکون الأصل بلحاظه مثبتاً.أضف إلى ذلک أنّه يمکننا استصحاب عدم وقوع عقد خديجة في رجب أيضاً طالما أنّه مجهول التاريخ.الصورة الثانية: أن يجهل تاريخ کلا العقدين ويحتمل تقارنهما، ويحکم هنا بفسادهما معاً تبعاً لاحتمال تقارنهما؛ لأنّه صحيحٌ أنّ احتمال صحتهما معاً يجوّز إجراء أصالة الصحة في کلٍ منهما، ولکنّهما تتعارضان وتتساقطان ويرجع إلى أصالة الفساد.الصورة الثالثة: أن يجهل تاريخ کلا العقدين ويعلم بعدم التقارن، فأحد العقدين صحيحٌ قطعاً، أي يُعلم إجمالاً بصحة أحدهما، فتجري أحکام العلم الإجمالي. وأوّل حکم يجب مراعاته في أطراف العلم الإجمالي هو لزوم الاحتياط، ومقتضاه هنا ترک المعاملة مع کلّ منهما معاملة الزوجة.ويقع البحث في مدّة هذا الاحتياط وسبيل الخلاص منه، حيث إنّه لا يمکن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية؛ لأنّ ذلک يلزم منه الضرر على الزوج حيث لا يمکنه أن يستفيد من زوجته، وعلى الأختين حيث إنّهما معلّقتان.وهناک أربعة حلول مذکورة للتخلّص من هذه المشکلة:الحلّ الأول: القرعة.قال في (الجواهر): (أُقرع في وجه قوي)(4).وقال في (المستمسک): (هذا القول لم أقف على قائله)(5)، والحال أنّ صاحب الجواهر ـ قدّس سرّه ـ يقوّي صراحةً الرجوع إلى القرعة.وعلى أيّ حال، فإنّ السيد الحکيم ـ قدّس سرّه ـ يدّعي بأنّ إطلاق دليل القرعة يشمل المقام؛ حيث إنّها لکل أمر مشکل، وهذا أمرٌ مشکل.وهو ـ قدّس سرّه ـ بذلک يجيب على إشکالٍ للمحقق الکرکي ـ قدّس سرّه ـ في (جامع المقاصد) مفاده أنّ القرعة لا مجال لها في الأمور التي هي مناط الاحتياط التامّ، وهي الأنکحة التي تتعلق بها الأنساب والإرث والتحريم والمحرمية.فهو ـ قدّس سرّه ـ يذکر الأنکحة، ونضيف نحن الدماء؛ فإنّه لا يمکننا أبداً أن نعيّن القاتل المشتبه بين جماعة بالقرعة بل نأخذ الدية بالسويّة من الجميع.والإنصاف أنّ کلام المحقق الثاني موجّه أکثر من کلام السيد الحکيم قدّس سرّهما. أضف إلى ذلک أننا في بحثنا في قاعدة القرعة من کتابنا (القواعد الفقهية) ذکرنا بأنّ مورد القرعة هو فيما إذا لم يکن هناک مجال لجريان أيّ من الأصول اللفظية أو العملية، أي فيما إذا وصلنا إلى طريق مسدود، وذلک کما إذا اشتبه ولدٌ بين أن يکون ابناً لزيد أو لعمرو، أو أردنا تعيين جنس الخنثى المشکل؛ فإننا حينئذٍ نرجع إلى القرعة. وهکذا في مورد اشتباه الغنم الموطوءة في القطيع ـ والذي هو مورد بعض روايات القرعة ـ فإنّ الاحتياط باجتناب الجميع غير ممکن، ولذا ورد النصّ من الشارع المقدّس بالرجوع إلى القرعة.ولکن يمکن في مسألتنا الاحتياط، وذلک بطلاق کلتيهما، ثم العقد مجدداً على من يشاء منهما. وعليه فلا حاجة إلى القرعة.إن قلت: يلزم من هذا الاحتياط الضرر على الزوج، حيث يجب عليه دفع المهر مع أنّه لا يحصل مقابله على زوجة، إذن لابدّ من الرجوع إلى القرعة.قلنا: غاية ما يفيده هذا الإشکال الالتزام بالتفصيل في جريان القرعة، بمعنى أنّه يمکن أن يکون المهر قليلاً أو کثيراً وتتنازل عنه الزوجة، فحينئذٍ يمکن الاحتياط فلا يرجع إلى القرعة، وفي غير ذلک يرجع إليها مع غضّ النظر عن إشکال المحقق الکرکي قدّس سرّه.الحلّ الثاني: العمل بالاحتياط وذلک عن طريق الطلاق، وهو ممکن بثلاثة أشکال:1 ـ أن يطلّق کلتيهما بقصد الرجاء.2 ـ أن يطلّق الزوجة الواقعية منهما بأن يقول مثلاً: (زوجتي الواقعيّة التي نکحتها من قبل طالق)؛ لأنّه يمکن الإشارة إلى الزوجة الواقعية.3 ـ أن يطلّق إحداهما بعينها، فإنّها إن کانت زوجته واقعاً حلّ له الزواج من أختها، وإن لم تکن زوجته واقعاً فإنّ الأخرى التي يريد تجديد العقد عليها هي زوجته الواقعية ولا يضر تجديد العقد عليها. نعم لو کان قد دخل بإحداهما يجب الانتظار إلى تمام العدّة قبل تجديد العقد على الأخرى.الحلّ الثالث: طلاق الحاکم، ويرجع إليه فيما إذا امتنع الزوج من الطلاق، فحيث إنّه لا معنى لإجباره عليه، والحاکم ولي الممتنع يطلّقهما الحاکم.الحلّ الرابع: الفسخ، ولم يشر إلى هذا الحلّ أحد. وبيانه: أنّه يمکن للزوج أو للأختين فسخ العقد؛ لأنّ فسخ العقد هنا أولى من فسخه في مورد العنن وأمثاله، باعتبار أنّه هناک لا يمکن الوطء فقط بخلاف سائر الاستمتاعات، بينما هنا لا يجوز له شيء من ذلک. وإذا فسخ العقد تنحلّ مشکلة المهر؛ لأنّه لا يثبت في کثير من موارد الفسخ.وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين._______________________(1) جامع المقاصد 12: 343.(2) الجواهر 29: 382.(3) المستمسک 14: 244.(4) الجواهر 29: 382.(5) المستمسک 14: 247.

المؤلف:

301-المصاهرة

301-المصاهرة

تتمة البحث في الفرع الخامسدليل القول بالتخييراستدل القائلون بالتخيير برواية محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن بعض أصحابه، عن أحدهما ـ عليهما السلام ـ أنّه قال في رجل تزوّج أختين في عقدة واحدة قال: ((هو بالخيار يمسک أيتهما شاء ويخلّي سبيل الأخرى))(1).والرواية مرسلة ولها سندٌ آخر فيه (عليّ بن السندي) وهو مجهول الحال.وقد ناقش القائلون بالبطلان في هذه الرواية من ناحية السند بما قلناه، ومن ناحية الدلالة بأنّه يحتمل أن يکون المقصود بـ: ((يمسک أيتهما شاء)) إمساکها بعقد جديد.وهذا خلاف الظاهر.وقد أيّد في (الجواهر) الاحتمال المذکور في دلالة هذه الرواية بما ورد في رواية أبي بکر الحضرمي، قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السلام ـ: رجل نکح امرأة ثم أتى أرضاً فنکح أختها ولا يعلم، قال: ((يمسک أيتهما شاء ويخلّي سبيل الأخرى)) الحديث(2).وقال ـ قدّس سرّه ـ: (المراد منه قطعاً التخيير بين إمساک الأولى بالعقد الأوّلي وبين طلاقها وإمساک الثانية بعقد مستأنف)(3).وهذا هو معنى التخيير في رواية الحضرمي.ولکن الاستناد إليها لتأييد الاحتمال المذکور في دلالة رواية جميل مشکل؛ لأنّها ضعيفة سنداً، حيث إنّ أبا بکر الحضرمي إمّا هو عبد الله بن محمد وإمّا محمد بن شريح، والأول هو الذي يروي عن الباقر ـ عليه السلام ـ ولکنّه لم يُذکر بتوثيق، والثاني ثقة(4)، ولکنّه من أصحاب الصادق عليه السلام؛ ولذا عبّر في (الجواهر) عن هذه الرواية بخبر الحضرمي.وأيضاً لا يمکن المقارنة بين مضمونها وما نحن فيه؛ لأنّ ما نحن فيه فرض تقارن العقدين، بينما فرض هذه الرواية وقوع العقدين على الأختين في زمانين؛ ولذا فإنّ أوّلهما صحيح قطعاً والثاني باطل کذلک؛ ولذا کان التخيير بالشکل الذي ذکره صاحب (الجواهر) قدّس سرّه.وبهذا يرتفع الإشکال عن دلالة رواية جميل.وأمّا الإشکال السندي فيها فيرتفع أيضاً بأنّ لها سنداً آخر صحيحاً بحسب رواية الفقيه(5)، حيث إنّ طريق الصدوق ـ رحمه الله ـ إلى محمد بن أبي عمير معتبر، وجميل يرويها مباشرة عن الصادق عليه السلام.وعلى هذا فنحن نعمل بها ونفتي بمضمونها.إن قلت: ماذا تفعل بالاستدلال العقلي السابق؟قلنا: لا تنافي في البين؛ لأنّه لا تنحصر المسألة بالشقوق الأربعة المذکورة في ذلک الاستدلال العقلي، بل هناک شق خامس، وهو أن يکون العقد مُراعًى وينتظر فيه اختيار الزوج، أي أنّ له شرطاً ـ هو اختيار الزوج ـ لابدّ من تحقّقه.وليست نتيجة ذلک الاستدلال الاستحالة العقلية کما قد يتوهّم، وإلاّ لما وجدنا للتخيير في أمثال المقام أي مصداق، بينما نجد أنّ الشارع قد حکم بالتخيير في مورد الرجل الذي يُسلم عن أزيد من أربع زوجات، فإنّه يختار أربعاً منهنّ ويدع الباقيات.إن قلت: الحکم بالتخيير هنا مخالف للاحتياط؛ ولذا فالأفضل إعادة العقد على من يختارها. ولعلّه لأجل ذلک اختار کثير من الأعاظم البطلان.قلنا: إنّ القول بالبطلان مخالف للاحتياط أيضاً؛ لأنّه بناءً عليه سوف يکون بإمکان هاتين الأختين الزواج، مع أنّه يحتمل أن تکون إحداهما زوجة واقعاً تبعاً لاختيار الزوج. ولذا مقتضى الاحتياط التامّ هو ترک الاختيار، والعقد من جديد.بقي هنا أمران:الأمر الأول: إذا لم يختر الزوج أيّةً منهما فما هو حکم الأختين حينئذٍ؟ وإلى أيّ حدّ يجب عليهما الانتظار، فهل يستمر هذا الحکم أو ينتهي عندما تتضرر المعقود عليهما؟لم يتعرّض أحد إلى الحدّ الذي يمتدّ إليه التخيير، والظاهر أنّ حدّه تضرر المعقود عليهما.الأمر الثاني: هناک احتمال ثالث في المسألة غير التخيير والبطلان، وهو صحة عقد من قدّم ذکرها في صيغة العقد، کفاطمة مثلاً فيما إذا قال: زوّجتک فاطمة وخديجة. وهذا ما نصّت عليه رواية دعائم الإسلام التي رواها في (المستدرک)، عن جعفر بن محمد ـ عليه السلام ـ أنّه سئل عن رجل تزوّج أختين أو خمس نسوة في عقدة واحدة؟ قال: ((يثبت نکاح الأخت التي بدأ باسمها عند العقد والأربع من النسوة اللاتي بدأ باسمائهن ويبطل نکاح ما سواهنّ...))(6).أقول: دلالة هذه الرواية جيدة، ولکن المشکلة في سندها، حيث إنّها مرسلة (دعائم الإسلام)، مضافاً إلى إعراض الأصحاب عنها وعدم إفتاء أحد بمضمونها.وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين._______________________(1) الوسائل 20: 478، أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ب25، ح2.(2) الوسائل 20: 479، أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ب26، ح2.(3) جواهر الکلام 29: 384.(4) نقد الرجال 4: 229 ـ 4770/ 414.(5) الوسائل 20: 478، أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ب25، ح1.(6) مستدرک الوسائل 14: 405، أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ب25، ح1.

المؤلف:

300-المصاهرة

300-المصاهرة

وبعد الانتهاء من بيان أصل الحکم في المسألة يقع الکلام في الفروع:الفرع الأولوهو أنّه لا فرق بين أن تکون الأختان من الأبوين أو من الأب لوحده أو من الأم کذلک.ويدلّ عليه الإجماع ـ طبعاً کمؤيّد؛ لأنّه مدرکي ـ وإطلاق قوله تعالى: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ)(1)، فإنّه يشمل کلّ من صدق عليهما أنّهما أُختين.کما ويدلّ عليه إطلاق الروايات، مضافاً إلى أنّه ليس هناک فرق بين الإخوة في ذلک في تمام أبواب محرّمات النکاح بحسب ما يفيده استقراء تلک الأبواب. وإن لم يُقبل کون هذا الاستقراء دليلاً فهو مؤيّد جيد. ولم يتعرّض الإمام ـ قدّس سرّه ـ إلى هذا الفرع.الفرع الثانيفي أنّه لا فرق في هذا الحکم بين أن تکون الأُختان من النسب أو من الرضاع، وقد تعرّض الإمام ـ قدّس سرّه ـ إلى هذا الفرع.ويدلّ عليه الإجماع، وعموم ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))(2)، وخصوص صحيحة أبي عبيدة قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ يقول: ((لا تنکح المرأة على عمّتها ولا خالتها ولا على أختها من الرضاعة))(3).وقد استدللنا بهذه الرواية سابقاً في مبحث عدم جواز نکاح المرأة على عمّتها أو خالتها إلاّ بإذن العمّة والخالة، وذکرنا هناک بأنّ قيد (من الرضاعة) يُحتمل عوده إلى تمام الفقرات الثلاث، وإلى خصوص الأخيرة، ولکنّه على کلّ حال يشمل الأخيرة، فتکون الرواية دليلاً على ما نحن فيه.الفرع الثالثفي أنّه لا يُفرّق في هذا الحکم بين أن يکون النکاحان دائمين أو منقطعين أو مختلفين.ويدلّ عليه:أوّلاً: الإجماع.وثانياً: عموم قوله تعالى: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ)، فإنّ المقصود بحرمة الجمع هو الجمع بينهما بالنکاح، ونکاح المتعة نکاحٌ.وذلک کما في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْکُمْ بَنَاتُکُمْ) فإنّه لا شک في شموله للمتعة.إذن دلالة هذه الآية بنحوٍ أعلى من الإطلاق، بل إنّه يمکن القول بشمولها للإماء أيضاً.وثالثاً: خصوص رواية رواها محمد بن يعقوب الکليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار ـ وهو مجهول الحال ـ عن يونس ـ والظاهر أنّه يونس ابن عبد الرحمن ـ قال: قرأت کتاب رجل إلى أبي الحسن ـ الکاظم ـ ـ عليه السلام ـ: الرجل يتزوّج المرأة متعة إلى أجل مسمّى فينقضي الأجل بينهما، هل يحلّ له أن ينکح أختها من قبل أن تنقضي عدّتها؟ فکتب: ((لا يحلّ له أن يتزوّجها حتى تنقضي عدّتها))(4). فإذا لم يکن الجمع جائزاً في العدّة فإنّه لا يجوز في أصل النکاح بطريق أولى.هذا، ولکن هناک حديث معارض يقول بأنّه لا إشکال في الجمع بين الأختين في المتعة، هو: ... عن محمد بن سنان ـ ولم يثبت عندنا توثيقه ـ عن منصور الصيقل، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ((لا بأس بالرجل أن يتمتّع أختين))(5).وسند هذه الرواية مشکلٌ، ومن الممکن أن تکون الرواية بمعنى نکاحهما متعة على التوالي، لا أنّه يجوز له الجمع بينهما، ولکنّه على خلاف الظاهر.إن قلت: إن کان المقصود هو التناوب في نکاحهنَّ فإنّه جائز حتى في النکاح الدائم، فلماذا الترکيز في هذه الرواية على خصوص المتعة؟قلنا: لعلّ الفرق هو أنّه في النکاح الدائم تَحرُم المرأة في الطلاق الثالث فلا يستمر التناوب إلى ما لا نهاية، بخلافه في النکاح المنقطع.وعلى کلّ حال، لا فرق في الحرمة هنا بين أن يکون النکاح دائماً أو منقطعاً.الفرع الرابعفي أنّه لا يُفرَّق في هذا الحکم بين أن يکون قد دخل بالأولى أو لا، فإنّه على کلا الحالين يَحرُم الجمع بين الأختين.ويدلّ عليه الإجماع وإطلاق الآية والروايات بالتقريب السابق فيهما.الفرع الخامسويقع الکلام فيه حول أنّه لو عقد على الأختين معاً بعقد واحد أو بعقدين متقارنين تماماً، فهل يبطل العقدان، أو يکون الزوج مخيّراً بانتخاب إحداهما إمّا لفظاً أو عملاً من دون حاجة إلى إنشاء عقد جديد؟هناک اختلاف بين الأعلام في ذلک، فقد نُقل عن بعضهم ـ لاسيّما المتأخرين ـ القول ببطلان العقدين، ولکن نقل عن آخرين القول بالتخيير.قال الشهيد الثاني ـ قدّس سرّه ـ: (القول بالبطلان لابن إدريس، وتبعه المصنّف وأکثر المتأخرين... والقول بالتخيير للشيخ وأتباعه)(6).وأفتى الشيخ ـ قدّس سرّه ـ في (النهاية) ـ والذي هو کتاب فقهي روائي ـ بالتخيير، ولکنّه في (المبسوط)(7) ـ والذي هو کتاب فقهي فرّع فيه الأحکام الشرعية ـ أفتى بالبطلان.وقد قال ابن إدريس ـ قدّس سرّه ـ بالتخيير في بداية کلامه موافقاً في ذلک للشيخ في (النهاية) تبعاً لما تقتضيه بعض الأخبار، ثم قال: (والذي تقتضيه أصول المذهب أنّ العقد باطل)(8).وعن المحقق ـ قدّس سرّه ـ أنّ الأشبه بطلان العقد.والخلاصة: أنّ هناک قولين في المسألة، ولعلّ الأظهر البطلان، ولکن القول بالتخيير ليس شاذاً.دليل القول بالبطلانالدليل المذکور للبطلان هو أنّ ذلک ما تقتضيه القاعدة؛ لأنّ حال ما وقع لا يخلو عن أربع احتمالات:1 ـ أن يکون العقدان صحيحين معاً، وهو غير ممکن؛ لأنّه جمعٌ بين الأختين.2 ـ أن يکون أحدهما بعينه صحيحاً، وهو غير ممکن أيضاً؛ لأنّه ترجيح بلا مرجّح.3 ـ أن يکون الصحيح أحدهما لا بعينه، وهذا أمرٌ ذهني لا وقوع خارجي له؛ لأنّ الموجود الخارجي دائماً يکون بعينه، فلا يصحّ هذا الاحتمال.4 ـ أن يکون کلا العقدين باطلاً، وهو الاحتمال الصحيح.وهذا في الواقع دليلٌ عقلي نتيجته الحکم بالبطلان، وهو شبيه الاستدلال المذکور في باب تعارض الدليلين من أنّه لا يمکن القول بحجيتهما معاً؛ ولا بحجيّة أحدهما المعيّن؛ لأنّه ترجيح بلا مرجّح. ولا بحجيّة أحدهما لا بعينه؛ لأنّه لا وجود خارجي له، ولا بحجيّة أحدهما على نحو التخيير؛ لأنّ أدلّة الحجيّة لا تساعد على ذلک، فلا يبقى إلاّ التساقط، يعني يسقط کلاهما عن الحجيّة.وهذا الاستدلال العقلي يأتي في کلّ مکان کان فيه متعارضان.وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.________________________(1) النساء: 23.(2) الوسائل 20: 371، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب1، ح1.(3) الوسائل 20: 476 ـ 477، أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ب24، ح2.(4) الوسائل 20: 480، أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ب27، ح1.(5) الوسائل 20: 481، أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ب27، ح2.(6) مسالک الأفهام 7: 313 ـ 314.(7) المبسوط 4: 206.(8) السرائر 2: 536.

المؤلف:

21-أحکام النظر

21-أحکام النظر

رد الاستدلال بالاية 53 من سورة الاحزاب على حرمة النظر يقول الله تعالى في الاية (53) {واذا سألتموهن متاعاً فسئلوهن من وراء حجاب} وقد مر في الدرس السابق تقرير الاستدلال بها على حرمة النظر الى الوجه والکفين ، واما الجواب فهو ان هذه الاية مربوطة بنساء النبي (ص)، وکم لهن من احکام لا تکون لغيرهن من النساء ، وهناک ايات عديدة من القران تذکر لهن احکاماً لا تکون لغيرهن، منها: انه يحرم عليهن الزواج بعد وفاة الرسول ، بينما بقية النساء لا اشکال في زواجهن بعد وفاة ازواجهن وانتهاء العدة. ومنها: ان ذنب نساء النبي مضاعف واجرهن ايضاً مضاعف. فهذه خصائص کانت لنساء النبي بسبب موقعية النبي (ص) ، وعليه فنحن لا يمکننا ان نسري هذه الاحکام الى موارد اخرى، نم يمکن الانتقال من الادنى الى الاعلى ، لکن لا يمکن ذلک في العکس.سؤال : ان المورد لا يخصص الوارد.الجواب: صحيح، لکن المورد ايضا لا يعمم ، فاذا کان الدليل قاصراً وخاصاً فان المورد لا يعممه. فمقولة ان المورد لا يخصص الوارد تصح فيما لو کان الحکم عاماً لکنه ورد في موارد خاصة حينئذ يقال ان المورد لا يخصص الوارد، اما لو کان الحکم خاصاً وارداً في مورد خاص فان تعميمه الى موارد اخرى يحتاج الى ان يلغي العرف قطعاً اعتبار الخصوصية التي فيه ، ونحن هنا لا يمکننا ان نقطع بالغاء الخصوصية ، بل لا نظن ذلک ، أي لا نظن بشباهة الموارد الاخرى لهذا المورد ، فلعل هذا المورد له خصوصية معينة.سلمنا ، لکن هل ان هذا الحکم واجباً على نساء النبي؟ يعني هل ان نساء النبي حتماً کان يجب عليهن ان يکن وراء الستائر؟ ظاهر الامر الوجوب ، لکن في ذيل الاية يقول تعالى: (ذلکم اطهر لقلوبکم وقلوبهن) ومن کلمة (اطهر) يستشم الاستحباب . اذن حتى بالنسبة لنساء النبي من غير المعلوم وجوب الحکم المذکور عليهن، وحتى لو کان واجباً فان قياس غيرهن عليهن قياس مع الفارق.رد الاستدلال بالاية 59 من سورة الاحزاب على حرمة النظريقول الله تعالى في الاية (59) {يا ايها النبي قل لازواجک وبناتک ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلک ادنى ان يعرفن فلا يؤذين} والمستدل بهذه قال ان {يدنين عليهن من جلابيبهن} معناه ان يسترن وجوههن واکفهن ايضا بجلابيبهن ، وعلى هذا فان ستر الوجه والکفين واجب واظهارهما حرام، وبالدلالة الالتزامية يکون النظر اليهما حرام ايضاً.والجواب: هو ان الاستدلال بهذه الاية يتوقف على معرفة معنى (الجلباب)- والظاهر انه يصح بالفتح والکسر ـ ، وعندما نراجع المصادر اللغوية مثل مفردات الراغب او لسان العرب او صحاح اللغة او قاموس اللغة نجد انها تذکر للجلباب ثلاث معان:المعنى الاول: الملحفة، وهي نوع من الثياب شبيه بالتشادر لکنها غيره ، غير موجود في العرف الفارسي ، وانما يوجد عند الباکستانيين والهنود.المعنى الثاني: قيل انه عبارة عن المقنعة الطويلة ، ولعلها کانت تصل مثلا الى الخصر ، کما کان الحال في القديم لدى بعض النساء حيث کانت اغطية رؤوسهن طويلة تصل الى الخصر.المعنى الثالث: قيل انه الدرع الواسع، يعني القميص الواسع.فهذه ثلاث معان للجلباب (المحلفة ـ المقنعة الطويلة ـ الدرع الواسع)استفدناها من المصادر اللغوية ، واي منها لا يستر الوجه ، فالمقنعة غير النقاب وهي تستر الرأس والرقبة فقط، والقميص الواسع لا ربط له بالوجه اصلا، والملحفة ايضاً من غير المتعارف ستر الوجه بها. فعلى هذا لابد للمستدل هنا ان يثبت في مرحلة اولى ان الجلباب شيء يستر الوجه به ثم في مرحلة ثانية يستفيد وجوب ستر الوجه کلمه (يدنين).والانصاف هو انه لا من (الجلباب) ولا من کلمة (يدنين) يستفاد ستر الوجه والکفين ، إذ معنى (يدنين) هو ان يقربن جلابيبهن من ابدانهن فيسترن صدورهن ورقابهن مثلاً. وعلى هذا فلا الاية (53) ولا الاية (59) من سورة الاحزاب اللتان استدل بهما في کتاب المغنى لابن قدامة الفقيه السني تدلان على وجوب ستر الوجه والکفين.والنساء عندما يردن ان يتناولن شيئاً فانهن يفعلن ذلک بايديهن، ولم يکن متعارفاً لبس (الکفوف) لهن ، فاليد إذا اريد سترها بشکل تام فلا بد من الاستفادة من الکفوف اذ غيرها لا يقوم بهذه المهمة ، حتى عباءات نسائنا (التشادر) فانها لا تستر الکفين، نعم ايديهن تکون تحت العباءة الا انها تبين عندما يردن ان يضعن شيئاً او يتناولنه ، ففي الغالب في مثل هذه الموارد تظهر ايديهن، وسترها لا يکون الا بلبس (الکفوف).وعلى أي حال فالايات لا دلالة فيها على وجوب ستر الوجه والکفين .الاستدلال للقول الثاني بالرواياتوفي هذا المجال نذکر ستة روايات تقريبا من المصادر الشيعية والسنية، ونبحث بحثاً اجمالياً حول اسنادها وان لم نکن بحاجة اليه، واما عمدة البحث فتکون على الدلالة لنرى ان هذه الروايات هل تدل على المدعى اولا ؟رواية محمد بن الحسن الصفّاروهي الرواية التي ينقلها المرحوم الشيخ الصدوق في (کتابه من لا يحضره الفقيه) في المجلد 3 الصفحة 40 ـ ونحن لم نر هذه الرواية في الوسائل ـ عن استاذه محمد بن الحسن الصفار ـ رضي الله عنه ـ (کتب محمد بن الحسن الصفار الى ابي محمد الحسن بن علي عليهما السلام) وهو الامام العسکري عليه السلام ، ولقبه الشريف ابو محمد لان صاحب الزمان (عج) اسمه کاسم رسول الله (ص) محمد، ولعل هذا الحديث هو افضل حديث استدل به على هذا القول (في رجل اراد ان يشهد على امرأة ليس لها بمحرم، هل يجوز له ان يشهد عليها من وراء الستر) والمقصود من الستر هنا هو الستارة بقرينة الذيل (ويسمع کلامها إذا شهد عدلان انها فلانة بنت فلان التي تشهدک وهذا کلاهما) أي إذا شهد عدلان على ان المرأة التي هي وراء الستارة هي فلانة وهذا الصوت صوتها (او لا تجوز الشهادة عليها حتى تبرز وتثبتها بعينها؟) وخلاصة السؤال هو انه هل يجوز لي الشهادة عليها من دون ان اراها إذا شهد عدلان انها فلانة وهي صاحبة الصوت او لابد من ان تخرج فاراها بعينها ثم بعد ذلک اشهد عليها؟ (فوقع عليه السلام : تتنقب وتظهر للشهود ان شاء الله ) ثم يقول محمد بن الحسن الصفار (وهذا التوقيع عندي بخطه عليه السلام) وسند هذا الحديث ظاهراً لا عيب فيه باعتبار ان محمد بن الحسن الصفار من الثقاة وهو يقول انه کتب الى الامام عليه السلام وان التوقيع عنده.وهذه هي الرواية الوحيدة التي تأمر بالنقاب.المناقشة في رواية الصفارواول مشکلة في دلالة هذه الرواية هي ان فرض الکلام في المرأة التي ترغب في ان تکون وراء الستارة، أي انها بحسب طبعها تميل الى عدم البروز والظهور ، وکأن الرواي يقول انه من الصعب على هذه المرأة ان تخرج، فهل لاجل الشهادة نخرجها من بيتها، او تبقى مکانها وتتکلم بما تريد فنسمع صوتها ويشهد عدلان على انها فلانة ايکون ذلک کافياً؟ يعني ان المورد هو من موارد الرغبة بعدم البروز والظهور، والامام (ع) يريد ان يقول انه بما انها لا ترغب في ذلک فالحل هو ان تتنقب وتخرج ، لا ان النقاب واجب بنفسه ، وهذا غير ان يقول (ع) من الاول: تتنقب حيث يکون ذلک امراً.فالرواية تقول (اراد ان يشهد على امرأة ليس لها بمحرم ، هل يجوز له ان يشهد عليها من وراء الستر ؟) ، يعني السؤال الاول هو هذا: هذه المرأة مستورة ، يعني هي بطبيعة الحال ترغب في ان تکون مستورة ، ولا بد من باب الاضطرار وعدم طريق اخر ان نقول بلزوم خروجها، والامام عليه السلام يقول: انه يمکن ان تراعي هذه الرغبة عندها بان تتنقب وتخرج. فهذه الرواية غير الرواية التي من الاول يقال للسائل فيها: (يجب عليها التنقب)، فهذه الرواية ليس فيها هذا المعنى . وعلى الاقل هذا احتمال نحتمله في معنى هذه الرواية، واذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال . هذا اولاً.ما هو النقاب؟ وثانيا انه ما هو معنى النقاب ؟ فهل هو شيء يستر تمام الوجه؟ ان نساء العرب عندهن انواع مختلفة من النقاب، فهناک نقاب يغطي قسماً من الفم وقليلاً من الانف وتظهر معه العينان ، وهناک نقاب يغطي الجبهة، وايضاً هناک نقاب يغطي نصف الوجه . واذا کان النقاب يغطي تمام الوجه فما هي الفائدة حينئذ ؟ واي نوع من الشهادة هذا؟ فهل مع ذلک يأتي شاهدان يشهدان على انها فلانة، عيناً مثل ما لو کنا في مجلس وفي زاوية المجلس کانت تجلس امرأة تلف نفسها بعباءتها لفاً محکماً بحيث لا يبين منها شيء سوى حجم جسمها وتقول: انا فلانة بنت فلان او زوجة فلان، فما يدرينا انها فعلاً هي او غيرها، فهل يلزم ايضا ان يشهد عدلان على انها فلانة؟ فيعلم ان النقاب يقصد به نقاباً لا يستر تمام الوجه ، إذ لو کان يستر تمام الوجه فلا فائدة من الشهادة حينئذ.اذن هذا الحديث والذي هو افضل حديث للقائلين بالقول الثاني يواجه مشکلتين من ناحية الدلالة، تسببان عدم امکان الاستدلال به على المدعى.طبعاً نحن هنا نبحث ادلتهم واحدة واحدة، وفي النهاية إذا توصلنا فرضا الى دلالة الايات والروايات على الحرمة مطلقاً نبحث بحثاً اخر في علاج التعارض بين هذه الادلة وادلة المجوزين.رواية ابي جميلةالرواية الثانية في المقام هي الرواية رقم 2 من الباب 104 من ابواب مقدمات النکاح من کتاب الوسائل ، عن ابي جميلة عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام قالا: (ما من احد الا وهو يصيب حظاً من الزنا) طبعاً بمعنى الکثير من الافراد لا الجميع (فزنا العينين النظر ، وزنا الفم القبلة ، وزنا اليدين اللمس).والمدعى هو ان هذا الحديث يدل على حرمة النظر وسائر الذکورات بمناسبة التعبير بالزنا المعلوم الحرمة. وقالوا ايضا بان الحديث عام، اطلاقه يشمل کل شيء حتى الوجه والکفين . فاطلاق الحديث والتعبير بالزنا دليل على ان النظر الى الوجه والکفين حرام.المناقشة في رواية ابي جميلةونبحث في هذه الرواية من ناحية السند اولاً فنقول:ان ابا جميلة اسمه الاصلي هو مفضل بن صالح ويکنى بابي جميلة ، ومفضل بن صالح اما ذکروه غالباً بعنوان انه مجهول واما انهم صرحوا بضعفه، فهو اما مجهول او ضعيف ، ومن جملة من ضعفّه ابن الغضائري ـ طبعاً تضعيفات ابن الغضائري غير مهمة کثيراً ـ حيث قال: (ضعيف کذاب يضع الحديث).ولکن الوحيد البهبهاني (رض) والذي کان من کبار الرجاليين يميل الى تقوية وتوثيق ابي جميلة، لماذا؟ لان اصحاب الاجماع وکبار الرجاليين يروون عنه، فهو يقول (رض): (لا يخلو عن توثيق). ولکن نقل کبار الرجاليين وروايتهم عن شخص ابداً لا يکون دليلاً على وثاقته ، فعلى هذا تقوية ابي جميلة مشکلة ، وله حوالي 99 رواية في کتبنا جميعها تواجه مشکلة سندية.واما من ناحية الدلالة فالحديث مشکل جداً، لانه قد عبر فيه بالزنا، وذلک لا يکون للشخص الذي ينظر نظرة عادية، بل ينصرف الى صورة قصد التلذذ على الاقل ، فاذا قيل کذلک يکون خارجاً عن بحثنا، لاننا شرطنا فيه من الاول ان يکون النظر خالياً عن التلذذ والريبة. وعلى هذا تسقط هذه الرواية ايضاً عن امکانية الاستدلال بها. رواية سعد الاسکافوالرواية الثالثة هي الرواية رقم 4 من الباب 104 من الوسائل ما عن سعد الاسکاف عن ابي جعفر (ع) ، وهي رواية مفصلة اذکر لکم خلاصتها، وهي ان شاباً من الانصار رأى امرأة في زقاق من ازقة المدينة ، وفي ذلک الزمان لم تکن النساء تسترن وجوههن جيداً، حيث کن يضعن مقانعهن خلف اذانهن فتبدو بذلک صدورهن ورقابهن ووجوههن بشکل واضح ، ويذکر الحديث ان المرأة کانت تتجه نحو الشاب، ويستفاد من القرائن انها کانت جميلة بحيث جلبت توجه هذا الشاب، وعندما مرت عليه تبعها من دون أي قصد خاص حتى وصلا الى زقاق ضيق لبني فلان من طوائف اهل المدينة ـ ولم تذکر الرواية من من هم – فجعل ينظر خلفها فاصطدم بالحائط فجأة فدخل في وجهه عظم او زجاجة کانت في الحائط فشق وجهه ، فلما مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره، فقال: والله لآتين رسول الله ولاخبرنه ، وکانوا يتحلون بصفاء النفوس فاذا ما ابتلوا بخطأ معين فانهم کانوا يأتون الى النبي (ص) ويطلبون منه علاج مشکلتهم ، فأتاه فلما رآه (ص) قال: ما هذا ؟ فاخبره ، فهبط جبرائيل (ع) بهذه الاية {قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم}. النور: 30.واستدلوا بهذه الرواية على حرمة النظر الى الوجه بتقريب ان الشاب کان ينظر الى وجه المرأة واتت الاية وقالت {قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم} وقدرها المتيقن يشمل الوجه، باعتبار انه کان ينظر الى وجهها والنساء في تلک الايام کما ذکر کن يضعن مقانعهن وراء آذانهن، فتبين بذلک وجوههن ورقابهن ولعل مقداراً من صدورهن ايضاً. اذن قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا ابصارهم} قدره المتيقن يشمل الوجه، وهذ دليل على المطلوب.المناقشة في رواية سعد الاسکافوتناقش هذه الرواية من حيث السند ومن حيث الدلالة .اما من حيث السند فان سعداً محل کلام بين علماء الرجال، بعضهم يقبله وبعضهم لا يقبله ، فالنجاشي مثلا يقبله، وقد يستفاد من بعض کلمات الشيخ الطوسي انه مقبول لديه، وبالجملة هو محل خلاف.طبعاً نحن لا نحتاج الى البحث في سند کل رواية رواية، لانه على فرض تمامية دلالة هذه الروايات الخمسة او الستة فان تظافرها يکون کافياً لنا، الا انها غير تامة الدلالة.واما من حيث الدلالة فهي لا تدل اصلاً على المدعى، لان مورد الاية کان تحديد النظر لاجل اللذة، وهذا لاربط له بمعنى بحثنا، حيث اننا نبحث عما لو کان النظر بدون لذة، والجميع يقولون بحرمة النظر مع اللذة ، ومورد الاية کان بهذا الشکل ، إذ الشاب کأنه کان فاقداً لحواسه، فقد دخلت الزجاجة في وجهه ولم يلتفت ثم لما رآى الدماء التفت الى ما حصل له، فالمورد من موارد خوف الوقوع في الفتنة وايضاً مورد تلذذ وهذا لاربط له ببحثنا.رواية علي بن عقبةواما الرواية الرابعة فهي الرواية رقم (1) من الباب 104 من الوسائل ، ونذکرها في الاخير باعتبار ان دلالتها اضعف مما سبقها، وهي ما عن علي بن عقبة عن ابيه عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (سمعته يقول النظرة سهم من سهام ابليس مسموم، وکم من نظرة اورثت حسرة طويلة).فاحياناً قد تکون النظرة سبباً في قلب حياة انسان، واحياناً قد تکون باعثاً على قتل نفس ، وقد تکون سببا لشقاء دائم لشخص معين، فثانية واحدة او دقيقة واحدة قد يعقبها ندامة طول العمر.وسلمنا بقبول سند هذه الرواية الا انه هل يمکن القبول بدلالتها، او انها خاصة بموارد النظر بتلذذ وريبة؟ ان التعبير بکون النظرة من سهام ابليس ثم التعبير بانه مسموم ثم في اخر الرواية التعبير بان ذلک قد يستوجب الحسرة الطويلة، کل هذه التعابير تصرف النظرة الى نظرة اللذة والريبة. فنحن نقول ان هذا الحديث منصرف على الاقل الى موارد التلذذ والريبة.بقي هناک حديثان آخران ثم الخروج بالنتيجة وهذا ما يأتي في يوم غد ان شاء الله . وصلى الله علي سيدنا محمد واله الطاهرين

المؤلف:

20-أحکام النظر

20-أحکام النظر

قبل ان نتابع بحثنا الفقهي نجيب اولاً عن سؤال مربوط بالبحث السابق، حيث قد ذکرنا في الطائفة الثانية بالأمس رواية عن علي بن احمد بن يونس عن الحسين، وهي الرواية رقم 5 من الباب 110، وقلنا ان علي بن احمد بن يونس لم يذکر اسمه اصلاً في کتب الرجال، وايضاً لا نعلم من هو الحسين الذي يروي عنه علي بن احمد بن يونس. وقد کتب لي بعض السادة انه في الوسائل طبعة الثلاثين مجلد ذکر في الحاشية انه في مصدر هذا الحديث الأصلي أي في التهذيب ذکر علي بن أحمد بن يونس بدل يونس وعلى هذا يمکن ان يکون المراد بعلي بن أحمد علي بن احمد بن أشيم للقرائن الموجودة في الرواية، وأن يکون المقصود بيونس يونس بن عبد الرحمن. فاذا کان کذلک فان حال الحديث يکون افضل.أقول: ان الحاشية المذکورة ايضاً موجودة في الوسائل طبعة العشرين مجلد، لکن ذلک لا يحل المشکلة، باعتبار مجهولية نفس علي بن احمد بن اشيم، واما يونس فأيضاً يحتمل ان لا يکون يونس عبد الرحمن أي لا يوجد قرينة قطعية على کونه يونس بن عبد الرحمن، اذن علي بن احمد بن اشيم مجهول وايضاً لا يعلم کون المراد بيونس هو يونس بن عبد الرحمن، اضف الى جميع ذلک ان الحسين مجهول کما ذکرنا، فتبقى نفس المشکلة.نقل الاقوال الثلاثة للعامة في المسألةابن قدامة في الجزء 7 الصفحة 460 من کتاب المغني ينقل کلاماً يفهم منه ان العامة ايضاً عندهم اقوال ثلاثة في هذه المسألة، قول بجواز النظر الى الوجه والکفين، وقول بعدم الجواز مطلقاً، وقول ثالث بالتفصيل بين النظرة الأولى والثانية، فينقل عن أحد فقهاء العامة المعروفين المسمى بالقاضي ويقول: (عن القاضي: يحرم عليه النظر الى ما عدا الوجه والکفين ويباح له النظر اليها إذا أمن الفتنة ونظر لغير شهوة) أي نفس الشرطين اللذين اشترطناهما نحن في الحکم بجواز النظر الى الوجه والکفين، ثم يقول (هذا مذهب الشافعي، لقول الله تعالىولايبدين زينتهن الا ما ظهر منها) وهذا نفس الدليل الذي استدللنا به نحن على الجواز، ثم ينقل حديثاً عن ابن عباس، أي عن نفس ابن عباس لا عن النبي (ص)، ولا نعلم ان کان ذلک استنباطاً لابن عباس أو انه ينقله عن النبي(ص). وکما تعلمون فان اهل السنة يجعلون مکانة وقيمة خاصة لأقوال الصحابة شبيهة بمکانة اقوال المعصومين(ع) عندنا، أي هم يعتبرون أن قول الصحابي حجة تقريباً. اذن ابن عباس ايضاً قال بمثل المقالة السابقة. ثم في مقطع آخر من کلام ابن قدامة ينقل عن احمد بن حنبل التحريم مطلقاً، أي مفاد القول الثاني، فيقول (قال: لا يأکل مع مطلقته، هو اجنبي لا يحل له ان ينظر اليها، کيف يأکل معها ينظر الى کفها) حيث انه کان متعارفاً الاکل باليد، لا بالملاعق مثل زماننا، وايضاً لا يمکن الاکل مع لبس الکف، وهذا يعني ان المرأة لابد لها حين الأکل من أن تظهر يديها فيراها الجالس معها (لايحل له ذلک) ومن هذا يعلم ان احمد بن حنبل الذي هو احد فقهاء العامة الاربعة لم يجيز النظر الى الکفين.ثم ان ابن قدامة بعد ذلک يؤيد احمد بن حنبل، ويستدل على ذلک ببعض الآيات والروايات الى ان يصل الى هذه الرواية (ما عن علي قال: قال لي رسول الله (ص): لا تتبع النظرة النظرة فانما لک الاولى وليست لک الاخيرة) وهذه الرواية تشير الى القول الثالث المفصل بين النظرة الاولى والثانية والثالثة، ففي الواقع الاستدلال الذي استدل به ابن قدامة على مذهبه يستفاد منه القول الثالث. ومن جميع ما نقلناه يتبين ان العامة ايضاً عندهم في هذه المسالة اقوال ثلاثة مثلنا نحن.تتمة الاستدلال بروايات الطائفة الثانيةقلنا انه يمکن ان يستدل على القول الاول بالآيات والروايات، وقد وصلنا الى الطائفة الثانية من الروايات والتي کانت تدل على جواز النظر بالدلالة الالتزامية، وقد بقي من هذه الطائفة رواية واحدة هي:صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيعوهي الرواية رقم 1 من الباب 114 من ابواب مقدمات النکاح من الوسائل، ما من محمد بن اسماعيل بن بزيع، وهو من اصحاب الامام الرضا (ع)، وکان ذو شخصية عالية ظاهرية ومعنوية قال: (سألت أبا الحسن الرضا(ع) عن أمهات الأولاد) وهن الاماء اللاتي ينجبن لاسيادهن فيصبحن بمنزلة الزوجات لهم (لها ان تکشف راسها بين يدي الرجال؟ قال: تقنع).ولکي يتضح معنى هذا الحديث أکثر لابد من ابين مطلباً ضمن هذا البحث لأننا سوف لن نتعرض له لاحقاً باعتبار انه ليس محلاً للابتلاء وهو:حجاب الاماء المسلماتانه يستفاد من احاديث کثيرة عدم وجوب حجاب الرأس على الاماء المسلمات، فکان يجوز لهن التجول مکشوفات الروؤس، وذلک أما لأجل انهن لم يکن يجلبن الانتباه، أو لأنهن لم يکن على ذاک المستوى من الثقافة بحيث يمکن جبرهن على ستر روؤسهن، أو لأجل ان يکون هناک فرق بينهن وبين غيرهن، ولم يکن هناک اشکال في کشف روؤسهن حال الصلاة وهو کذلک في غير حال الصلاة ايضاً. وهذا هو مذهب مشهور الفقهاء، وعليه روايات متعددة کما قلنا.وبما اننا لن ندخل هذا البحث فاذا أحببتم ان تطالعوا حوله فارجعوا الى جواهر الکلام الجزء 29 الصفحة 68، والظاهر ان صاحب الجواهر ايضاً کالمشهور يفتي بعدم وجوب الحجاب عليهن.اقول: انه يمکن ايضاً ان نستفيد هذا المعنى من القرآن الکريم حيث في الآية 59 في سورة الأحزاب يقول الله تعالى {يا ايها النبي قل لأزواجک وبناتک ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلک أدنى ان يعرفن فلا يؤذين وکان الله غفوراً رحيما) فکما هو واضح ان الخطاب للنبي (ص) بأن يأمر زوجاته وبناته ونساء المؤمنين بأن يسترن انفسهن بجلابيبهن بشکل لاتبين معه شعور روؤسهن، ولعل هذه کانت أول آية نزلت حول الحجاب، ثم قال تعالى ان ذلک يکون سبباً لأن يعرفن فلا يؤذين، وما معنى ذلک؟ان ذلک کان بسبب ان الاماء کن غير محجبات، فکن يتعرضن للمزاح من قبل أهل الريبة الفاسدين المفسدين، وقد عبر في بعض الروايات (يمازحهن)، فصدر الامر بالحجاب هنا على المذکورات في الآية، فيعرفن بذلک انهن لسن باماء، وقد کان بعض اهل الريبة واصحاب المآرب يؤذون غير الاماء في بعض الاوقات وحينما يعترض عليهم کانوا يتحججون بأنهم ظنوا أنهن اماء، وکل ذلک کان غلطاً الا ان الغلط بالنسبة للاماء کان اکثر، فليس معنى ذلک ان مزاحمة الاماء جائزة، بل المعنى هو ان أولئک کانوا يحترمون النساء الحرائر اکثر، وهذا مثل ان يقال للمرأة إذا ما ارادت الخروج لوحدها: خذي ابنک الصغير معک فتقل بذلک عنک المزاحمة والمضايقة، حيث ان الاوباش حينما يرون امرأة شابة لوحدها فانهم يضايقونها اکثر مما لو کان معها ولد، وليس معنى ذلک ان مضايقة المرأة الشابة جائزة، اذ کل ذلک حرام، بل المقصود هو ان اولئک الاوباش في عرفهم الخاص يلاحظون هذه المسائل. ومثل ذلک ما إذا قيل للمرأة: البسي خاتم الخطوبة او الزواج فتقل بذلک عنک الأذية، وما ذلک الا لان أولئک الاوباش في عرفهم يفرقون بين هذه المسائل ويلاحظونها. فنحن نقول ان جميع ذلک حرام الا ان السبب فيه ما ذکرنا.وما أريد ان استفيده من هذه الآية هو ان الاماء کن مکشوفات الروؤس بخلاف النساء الحرائر حيث أمرن بالحجاب. ولماذا لم تکن الاماء مشمولات لآية الحجاب، طبعاً فقط بالنسبة لحجاب الرأس والا بقية الجسد قطعاً يجب عليهن ستره؟ لأنهن مثلاً کن لا يلفتن النظر، أو لأنهن کن مثل نساء القرى اللاتي لا ينتهين إذا نهين، فکن يؤمرن بالمعروف وينهين عن المنکر الا ان ذلک لم يکن يفيد معهن باعتبار مستواهن الثقافي المتدني.وهذا مطلب احببت ان ابينه لکم بشکل جملة معترضة، وقد اتضح ان الاماء لم يکن مأمورات بستر روؤسهن.وفي مقامنا محمد بن اسماعيل بن بزيع يسأل الامام الرضا (ع) ان الامة التي تصير بمنزلة الزوجة لسيدها، أي تصبح أم ولد له، هل يمکنها ان لا تستر رأسها؟ ويجيب الامام (ع) بأنه يجب عليها الستر باعتبار انها في طريق الحرية، اذ سوف تتحرر بعد موت سيدها من نصيب ولدها من الارث، ولذا يجب عليها ان تتقنع وتراعي احکام الحجاب.ثم ان جميع ما مر کان على الحاشية، وما المطلب الاساسي فهو ان الکلام في هذه الرواية هو عن ستر وعدم ستر الراس، واما بالنسبة للوجه فلا ابن بزيع سأل عنه ولا أن الامام (ع) اشار اليه في جوابه، فيعلم ان الوجه کان مفروغاً عن جواز کشفه، وما اردت ان استشهد به هو هذا المطلب.وبذلک تتم روايات الطائفة الثانية الدالة على الجواز بالدلالة الالتزامية.الطائفة الثالثة من روايات الجوازوهي الروايات الواردة في حکم حجاب المرأة حال الصلاة، وهي روايات متعددة ورادة في ذاک الباب تبين عدم وجوب ستر الوجه والکفين الى المعصم حال الصلاة، وبعضها يذکر القدمين ايضاً، وهي روايات مطلقة لا تفرّق بين ان تصلي المرأة في بيتها او في خارجه، في المسجد الحرام أو في مسجد النبي (ص)، صلاة الفرادى او صلاة الجماعة. فالنساء لا يصلين دائماً في المنازل بل کثير منهن يصلين في المسجد الحرام او في مسجد النبي، ولم يکن متعارفاً في ذلک الوقت ان يفصل بين النساء والرجال في المساجد بفاصل من قماش مثلاً، وصلاة الجمعة مثلاً لاتجب على النساء الا انها مستحبة لهن، وهن يشارکن في صلاة الجمعة، نعم في زماننا تراعى بعض المسائل فيفصل بينهن في الصلاة بفاصل، الا انه في زمان التشريع لم تکن موجودة کل هذه الوسائل. فنرى ان روايات باب الصلاة مطلقة تجيز للمرأة کشف وجهها وکفيها من دون أي تقييد، والمشهور ايضاً افتوا بذلک، ولعله ادعي الاجماع في المسألة. فلو کان يجب عليها ان تستر وجهها وکفيها عن الاجانب لذکرت ذلک احدى الروايات على الأقل وبينت ان المسألة مقيدة. اذن اطلاق الروايات يدل على جواز ان يکشفن وجوههن وأکفهن حال الصلاة مطلقاً، سواء في المسجد أم في البيت، وفي البيت سواء دخل عليهن أولاد عمومتهن او اخوالهن أم لم يدخلوا، أو غيرهم من المحارم، فلا يوجد تقييد في أي رواية من الروايات.ونحن نريد بالدلالة الالتزامية ان نستفيد جواز النظر الى الوجه والکفين.هذا تمام الکلام في الادلة الدالة على جواز عدم ستر الوجه والکفين. وقد استدل البعض بأدلة اخرى لم استدل بها انا، وانما اشير اليها فقط وهي:مسألة العسر والحرجوهي انه إذا کان يجب على المرأة دائماً ان تستر وجهها فلا يمکنها ان تعيش، فانها تقع على الارض إذا ما خرجت، او تصدمها سيارة، وأيضاً مشکل جداً عليها ان تلبس دائماً الکفوف تستر بها يديها، وما الى ذلک من مشاکل.ودليل العسر والحرج هنا ليس دليلاً محکماً، الا ننا نذکره بعنوان مؤيد باعتبار ان بعض فقهائنا قد استدل به.أدلة القول الثاني القائل بلزوم الستر مطلقاًونحن نطيل البحث في هذه المسألة باعتبار انها محلاً للابتلاء والبحث. والقول الثاني کان يقول بوجوب الستر مطلقاً حتى الوجه والکفين، وقد استدل له ببعض الآيات القرآنية.الآية الأولى الآية 30 من سورة النور وهي قوله تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم} والأمر بالغض عام يشمل الوجه والکفين، ونحن عندنا تعبير في علم الاصول يقول ان حذف المتعلق دليل العموم، وفي الآية لم يذکر عن أي شيء أمروا بالغض، فيکون عاماً شاملاً لتمام وجود المرأة حتى الوجه والکفين.الآية الثانية وأيضاً استدل له بالآية 31 من سورة النور قوله تعالى {ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن أو آبائهن} فقيل انه بحکم هذه الآية استثني المحارم فقط، وهذا معناه ان لا يبدين زينتهن للأجانب حتى زينة الوجه والکفين.وکأن هؤلاء نسوا الجملة السابقة على هذه الجملة في الآية القائلة {الا ما ظهر منها} فلم يستدلوا بها واستدلوا بهذه الجملة، فکم هو لطيف ان الانسان في آية واحدة يستدل بذيلها ويتعلق به وينسى صدرها ويقول أن الآية عامة تشمل حتى الوجه والکفين ولا تستثني الا المحارم وعليه فلا يجوز لغير المحرم ان ينظر الى الوجه والکفين من المرأة.الآية الثالثة وقد استدل البعض مثل ابن قدامة في المغني بآية الحجاب وهي الآية 53 من سورة الأحزاب {واذا سألتموهن متاعاً فسئلوهن من وراء حجاب} يعني إذا اردتم ان تأخذوا منهن شيئاً فسئلوهن ذلک من وراء حجاب. وعندما يقال بأن آيات الحجاب وردت في سورة النور وأيضاً وردت في سورة الأحزاب يکون المقصود هو هذه الآية، والبعض قال ان هناک 17آية تتحدث عن حکم الحجاب، الا ان عددها اقل من ذلک. وعلى أي حال لابد ان ابين نکتة هنا لکي لا يحصل اشتباه في المقام وهي:ان معنى کلمة الحجاب في اللغة العربية غير معناها في اللغة الفارسية، ففي الفارسية معناها هو حجاب المرأة، ومقابل هذا المعنى هو عدم الحجاب وعدم الستر، بينما في العربية هذه الکلمة لا تکون ابداً بمعنى الستر، بل هي بمعنى الستارة، ويقال الحاجب لمن يتولى أمر الستارة، وعلى هذا فقوله تعالى {فسئلوهن من وراء حجاب} يعني من وراء ستارة.والعرب في زماننا على الأقل بل بحسب الظاهر في القديم ايضاً عندما يريدون ان يعبروا عن حجاب المرأة فانهم يعبرون بالستر، في مقابل السفور، فالسافرات يعني النساء غير المستورات، وأما الحجاب في العربية فهو کما قلنا بمعنى الستارة. والآية تتحدث عن نساء النبي وأنه ينبغي أن يسألن المتاع من وراء الحجاب، والمستدل هنا الغى الخصوصية وعدى الحکم الى نساء المؤمنين، وقال انه يلزم ايضاً ان يسألن المتاع من وراء الستارة.والى هنا تکون قد استدللنا للقول الثاني بثلاثة آيات، الأولى {قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم} والثانية {ولايبدين زينتهن الا لبعولتهن} والثالثة {فسئلوهن من وراء حجاب}. الآية الرابعةواما الآية الرابعة التي يذکرها ابن قدامة في طيات کلامه فهي الآية 59 من سورة الأحزاب {يا ايها النبي قل لأزواجک وبناتک ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} وهي الآية التي ذکرناها قبل قليل عند البحث عن حکم الاماء.واما هنا فقيل ان قوله تعالى {يدنين عليهن من جلابيبهن} معناه هو أن يسترن وجوههن وايديهن.فهل ان هذه الآيات الاربعة تدل على وجوب ستر الوجه والکفين او لا تدل؟نجيب اليوم عن بعضها والبقية الى غذ ان شاء الله.الاجابة على الاستدلال بالآيات الشريفة للقول الثانياما الآية الأولى أي قوله تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم} فصحيح انها عامة تشمل حتى الوجه والکفين، الا انها خصصت في نفس الآية وذلک بقوله تعالى {الا ما ظهر منها}، وعندما لايکون ستر (ما ظهر منا واجباً) نستفيد حينئذ بالدلالة الالتزامية جواز النظر الى الوجه والکفين، فاذا جاز النظر الى الوجه والکفين يتخصص عموم قوله تعالى {قل للؤمنين يغضوا من ابصارهم}، فنحن نقبل ان الآية عامة الا ان کل عام قابل لأن يخصص، والمخصص في مقامنا موجود في نفس الآية بالنسبة للوجه والکفين.وما بالنسبة للجملة الثانية في الآية التي استدل بها على عدم الجواز مطلقاً وهي قوله تعالى {ولايبدين زينتهن الا لبعولتهن} فهذه جوابها واضح اکثر اذ قوله تعالى {لايبدين} ورد مرتين في الآية الشريفة، وانت ايها المستدل بهذه الجملة من الآية على الحرمة اخذت {لايبدين} الثانية وترکت الاولى التي ورد فيها الاستثناء {الا ما ظهر منها}، ولا يصح ان نؤمن ببعض الکتاب نکفر ببعض، ونحن قلنا ان الجملة الثانية تتحدث عن الزينة الباطنة والجملة الأولى تتحدث عن الزينة الظاهرة أي عن الوجه والکفين، وانت ايها المستدل استدللت بالزينة الباطنة وترکت الزينة الظاهرة والتي هي في الاصل محل بحثنا.اذن الآية الاولى عامة قابلة للتخصيص، والاية الثانية لا ربط لها اصلاً ببحثنا اذ تتحدث عن الزينة الباطنة.واما الاجابة عن الاستدلال بالايتين الثالثة والرابعة وکذا عن بقية استدلالاتهم فهي الى غد ان شاء الله.وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين 

المؤلف:

19-أحکام النظر

19-أحکام النظر

الرواية الثالثة: وهي الحديث 3 من الباب 120 من ابواب مقدمات النکاح من الوسائل، ما رواه عمرو بن شمر ـ ويأتي الکلام فيه ـ عن ابي جعفر (ع) ـ وهو الباقر(ع) ـ عن جابر بن عبد الله الانصاري قال (خرج رسول الله (ص) يريد فاطمة وأنا معه فلما انتهينا الى الباب وضع يده عليه فدفعه ثم قال: السلام عليکم، فقالت فاطمة (ع): وعليک السلام يا رسول الله، قال: أدخل؟ قالت: أدخل يارسول الله، قال: أدخل أنا ومن معي؟ قالت: ليس عليّ قناع، فقال: يافاطمة خذي فضل ملحفتک فقنعي به رأسک) والملحفة نوع من الثياب مثل الذي يلبسه الباکستانيون والهنود وبعض العرب يلفونه على ابدانهم، وفي بعض الاوقات قد يضعونه على روؤسهم، وفي أوقات اخرى قد لا يفعلون ذلک، وظاهراً في الفارسية لامرادف لهذه الکلمة، نعم في الفارسية توجد کلمة (ملافه) الا انها بمعنى القماش الذي يغطي به اللحاف المخصوص للنوم، وعلى أي حال فقد اتضح المقصود من الملحفة (ففعلت، ثم قال: السلام عليک، فقالت: وعليک السلام يارسول الله) فأعاد (ص) السلام مرة اخرى وأجابته فاطمة (ع) فما هذه الآداب الرفيعة التي دل عليها (ص) حين أراد دخول بيت ابنته (قال: أدخل؟ قالت: نعم يارسول الله، قال: أنا ومن معي؟ قالت: ومن معک، قال جابر: فدخل رسول الله (ص) ودخلت واذا وجه فاطمة(ع) اصفر کأنه بطن جرادة) وهذا يعني أن وجه فاطمة(ع) کان ظاهراً، وجابر بحضور النبي (ص) نظر اليه (فقال رسول الله (ص): مالي ارى وجهک أصفر، قالت: يارسول الله، الجوع) حيث کانوا (ع) يعطون طعامهم للآخرين ويبقون جياعاً (فقال رسول الله (ص): اللهم مشبع الجوعة ودافع الضيعة أشبع فاطمة بنت محمد، قال جابر: فوالله) وهذا المقطع لا يمکن توجيهه (لنظرت الى الدم يتحدر من قصاصها) أي أعلى وجهها (حتى عاد وجهها أحمر فما جاعت بعد ذلک اليوم).وهذه الرواية ان کان سندها تاماً ـ وليس کذلک ـ لکانت افضل دليل في مقامنا، ففاطمة (ع) التي هي المعصومة والصديقة الکبرى حينما لا ترى انه يجب عليها ان تستر وجهها في الحال الذي جابر بن عبد الله الاجنبي عنها ينظر اليه فان ذلک حينئذ يعد افضل دليل على عدم وجوب ستر الوجه، لکن في هذا الحديث توجد مشکلتان:المشکلة الأولى مشکلة السند، حيث ان عمرو بن شمر على الأقل رجل مضعف جداً ـ وظاهراً بعض رجال السند الاخرين ايضاً فيهم کلام ـ وغير ثقة، فالمرحوم النجاشي والعلامة الحلي (قدهما) اللذان هما من کبار علماء الرجال هکذا يقولان عنه: ان عمرو بن شمر ضعيف جداً، زيد أحاديث في کتب جعفر الجعفي ينسب بعضها اليه والأمر ملتبس. فيعلم ان عمرو بن شمر کان من تلامذة جعفر الجعفي فدس في کتبه ما دس، والأمر مشتبه فلا يعلم ما هي الاحاديث التي اضافها في کتب جعفر الجعفي. وزاد العلامة في خلاصة الرجال وهو کتاب رجالي جيد: لا اعتمد على شيء من ما يرويه.اذن هذا السند مخدوش جداً، وفرضاً سلمنا بصحة الحديث الا ان المتن لا يمکن قبوله، وهذه هي المشکلة الثانية في هذه الرواية، يعني هل يتصور أن يصدر مثل هذا الشيء من بنات العلماء فيأتين ويجلسن بين الأجانب مکشوفات الوجوه، أو حتى بنات المؤمنين الشديدين المحتاطين؟! قطعاً لا يصدر منهم مثل هذا الشيء. وقد نقل أن الزهراء (ع) حينما دخل ابن ام مکتوم والذي کان أعمى دخلت حجرتها وأخفت نفسها، فهل يمکن ان تفعل ما ذکرته هذه الرواية؟! مضافاً الى غير ذلک من امور نقلت عن وضع اهل البيت (ع) مما لا يجتمع مع ما هو مذکور هنا. وبناءً على ذلک فهذا المتن ولو أنه من ناحية شرعية لم يکن هناک اشکال في الحکم فيه الا ان ذلک لا يناسب بنات العلماء فکيف بالصديقة الکبرى فاطمة الزهراء سلام الله عليها. فمن المشکل قبول متن هذا الحديث.الرواية الرابعة: وهي ما ينقله العلامة المجلسي في المجلد (101) من بحار الانوار ـ صفحة 34 ـ طبع بيروت. وفي هذا المجلد روايات کثيرة ينقلها (قده) الا اننا فعلاً نذکر الرواية التي تفيدنا في محل البحث. (عن علي بن جعفر ان اخيه ـ موسى بن جعفر(ع) ـ: سألته عن الرجل ما يصلح له ان ينظر اليه من المرأة التي لا تحل له؟ قال: الوجه والکف وموضع السوار) وقد قلنا بالأمس انه لعل المراد بموضع السوار هو الاشارة الى ما لوکان السوار يوضع على آخر المعصم بحيث ان طرفه الأمامي يکون على حد الکف، والا غير هذا التفسير يکون على خلاف اجماع الأمة.واما من حيث السند فسند هذا الحديث يرجع الى علي بن جعفر، وهو له کتاب کان موجوداً عند صاحب الوسائل ينقل عنه، فالروايات التي ينقلها صاحب الوسائل عن کتاب علي بن جعفر صحيحة. ولکن کما تعلمون فان عبد الله بن جعفر الحميري ينقل روايات علي بن جعفر في کتابه قرب الاسناد، وسند قرب الاسناد فيه اشکال، وعلى هذا فروايات علي بن جعفر التي تنقل من کتاب علي بن جعفر معتبرة بخلاف رواياته التي تنقل في قرب الاسناد ونحن لا نعلم ان کان کتاب علي بن جعفر عند العلامة المجلسي وينقل عنه، غاية ما نعلمه هو ان هذه الرواية وما قبلها وما بعدها ينقلها العلامة المجلسي عن کتاب قرب الاسناد حيث يضع علامة ب الخاصة بکتاب قرب الاسناد. اذن طبق نقل العلامة المجلسي تکون هذه الرواية مشکلة من حيث السند، لکن يمکن ان تکون مؤيدة. ولم نرَ أحداً ينقل عن کتاب علي بن جعفر بلا واسطة.الرواية الخامسة: والأخيرة في هذه الطائفة ما ورد من طرق العامة في کتاب المغني لابن قدامة في رواية عن عائشة، وهي تدل بصراحة على جواز النظر الى الوجه والکفين، والرواية هي (ان اسماء بنت ابي بکر دخلت على رسول الله (ص) في ثياب رقاق) بحيث کان يظهر جزء من بدنها من وراء الثياب، فيعلم انها کانت حديثة عهد بأحکام الاسلام (فأعرض عنها وقال: يا أسماء أن المرأة إذا بلغت المحيض) وبلغت المحيض ليس معناه ان ترى الدم، بل معناه هو وصولها الى مرحلة البلوغ، غايته أن البلوغ بينهم غالباً ما کان يتقارن ورؤية الدم (لم يصلح ان يرى منها الا هذا وهذا، وأشار الى وجهه وکفه).فهذه رواية جيدة ودلالتها واضحة، وهي من طرق العامة ويستفاد منها کمؤيد.الطائفة الثانية من الروايات التي تدل على جواز النظر الى الوجه والکفينواما الطائفة الثانية فهي الروايات التي تدل على جواز النظر الى الوجه والکفين بالالتزام لا بالمطابقة، ونحن جمعنا هذه الروايات من عدة ابواب، ولم نر ان العلماء استدلوا بهذه الطائفة رغم انها بنظرنا تعتبر دليلاً جيداً، وهي موجودة في الباب 110 و112 و113 و114 من ابواب مقدمات النکاح من الوسائل. وهي اربع روايات:الرواية الأولى: الحديث 5 من الباب 110 ـ ما ورد في حکم القواعد من النساء، والقواعد من النساء هن النساء اللاتي لا أمل لهن بعد في الزواج، وقد جعل الاسلام لهن بعض التسهيلات، على عکس ما هو متعارف هذه الأيام حيث نرى ان السناء العجائز يسترن انفسهن بشکل جيد بينما بناتهن اما غير مستورات اصلاً واما نصف مستورات. (فعن علي بن احمد بن يونس قال: ذکر الحسين) وعلي بن احمد بن يونس مجهول الحال بل ان حاله أسوأ من مجهول الحال باعتبار ان اسمه اصلاً لم يذکر في کتب الرجال، فقد طالعت الموسوعة الرجالية وکذا رجال محمد بن علي الاردبيلي يعني جامع الرواة فلم اجد فيهما ذکر اصلاً لعلي بن احمد بن يونس، وانتم طالعوا کتباً اخرى لعلکم تجدون اسمه في بعضها.وأسوأ من هذا انه يروي فيقول (ذکر الحسين) ومن هو هذا الحسين الذي اخبر علي بن احمد بن يونس بهذه الرواية؟ اذن مجهول يروي عن مجهول.(انه کتب اليه) وايضاً هنا لم يذکر من هو المکتوب اليه ولعله الامام (ع) (يساله عن حد القواعد من النساء التي إذا بلغت جاز لها ان تکشف راسها وذراعها) وهنا موضع الشاهد، حيث يسأله عن الحد الذي إذا بلغته المرأة يجوز لها ان تکشف رأسها وذراعها امام غير المحارم، وما اقوله هو ان هذه الرواية التزاماً تعتبر دليلاً جيداً في مورد بحثنا، حيث انه لم يسأله عن حکم الوجه والکف، فيعلم ان حکمهما واضح من الأول وهو جواز کشفهما، بل يسأل عن کشف الراس والذراع الى المفصل وأنه متى يجوز للمرأة فأجاب الامام (ع) (فکتب من قعدن عن النکاح) وليس المقصود بهن من جلسن الأرض لا يستطعن حراکاً بل المقصود هو خروجهن عن رغبة الزواج بحيث أن احداً لا يرغب بالزواج منهن بحسب العادة.وأنا هنا استدللت بسؤال الراوي لا بجواب الامام، لکن حينما يسأل الراوي بالشکل الموجود في الرواية يفهم ان حکم الوجه والکفين مفروغ عنه عنده، والامام لم ينبهه على اشتباهه على فرض وجوده، فيستفاد امضاؤه لما هو مرتکز في ذهنه. فهذه الرواية اذن تدل بالالتزام على الجواز.الرواية الثانية: الحديث الأول من الباب 112 ـ عن السکوني ـ وهو محل بحث ـ عن ابي عبد الله (ع) قال: (لا حرمة لنساء أهل الذمة ان ينظر الى شعورهن وايديهن) ولماذا لم يذکر (ص) حکم الوجوه؟ باعتبار ان حکمها مفروغ عنه وهو الجواز.فنحن نريد ان نستدل بهذا الحديث من ناحية الدلالة الالتزامية.الرواية الثالثة: الحديث الاول من الباب 113 ـ (محمد بن يعقوب عن عدة من اصحابنا) أي عدة من اساتذة الکليني (ره) (عن احمد بن محمد بن عيسى) القمي والذي کان من الأعاظم (عن ابن محبوب) وهو من اصحاب الاجماع وحاله مسلم (عن عباد بن صهيب) وهذا فيه بحث شيئاً ما، الا اننا بحثنا حوله وتوصلنا الى انه يمکن اثبات وثاقته، وفي هذا الحديث نکتة تعتبر مفتاحاً لکثير من المسائل في هذا الباب (قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لا بأس بالنظر الى روؤس أهل تهامة) وتهامة هي المنطقة الواقعة في اطراف جزيرة العرب لجهة البحر، فمنطقة نجد هي المنطقة الوسطى ومرتفعة نوعاً ما وذات ماء وهواء لطيفين، وما دونها من مناطق لجهة البحر يقال لها تهامة، فلا مانع من النظر الى روؤس نساء اهل تهامة غير المستورة (والأعراب) أي اهل البادية (وأهل السواد) ويقال عادة لأهل العراق انهم اهل السواد، (والعلوج) وهم قبيلة کانوا لا يحافظون کثيراً بالنسبة لنسائهم واعراضهم، فيجوز النظر الى روؤس نسائهم غير المستورة، طبعاً من غير تلذذ وريبة (لأنهم إذا نهو لا ينتهون) ومن هذا يعلم انه حينما لا يکون هناک اثر للنهي عن المنکر فلا اشکال حينئذ من النظر من دون تلذذ وريبة، وهذا بحث تأتي الاشارة اليه لاحقاً ان شاء الله. والسؤال هنا هو انه لماذا لم يذکر حکم الوجوه؟ فيعلم ان الوجه مفروغ عن جواز النظر اليه.وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين 

المؤلف:

299-المصاهرة

299-المصاهرة

يقول الإمام الخميني ـ قدّس سرّه ـ: (مسألة 15: لا يجوز الجمع في النکاح بين الأختين نسبيتين أو رضاعيتين، دواماً أو انقطاعاً أو بالاختلاف، فلو تزوّج بإحدى الأختين ثمّ تزوّج بأخرى بطل العقد الثاني دون الأوّل، سواء دخل بالأولى أو لا، ولو اقترن عقدهما بأن تزوجهما بعقد واحد أو في زمان واحد بطلا معاً).أصل حرمة الجمع بين الأختين من المسلّمات عند جميع علماء الإسلام؛ لذکرها صراحة في القرآن الکريم بقوله تعالى: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ)(1)، وإذا کان هناک بحث فإنّما هو في فروع المسألة وتفصيلاتها، ومقدار شمولها، وأنّها هل تشمل الأخت الرضاعية أيضاً ـ مثلاً ـ والأخت من أحد الأبوين کذلک، أو لا؟الأقوالقال النراقي ـ قدّس سرّه ـ: (تحرم أخت المعقودة عليها جمعاً لا عيناً، سواء کانت الأخت لأبٍ أم لأمٍّ أم لهما، وسواء دخل بالأخت الأولى أم لا. بإجماع جميع المسلمين)(2).وفي هذه العبارة ثلاث کلمات تدلّ على تأکيد عموم الحکم لدى المسلمين، هي: إجماع، جميع، المسلمون.وقال المحقق الثاني ـ قدّس سرّه ـ: (قد تطابق النصّ والکتاب والسنّة) والظاهر أنّ مراده بالسنّة الإشارة إلى السيرة العملية للمسلمين (وإجماع المسلمين على تحريم أُخت الزوجة جمعاً)(3).وقال الفاضل الهندي ـ قدّس سرّه ـ: (تَحرُم بالنصّ والإجماع أُخت الزوجة بالعقد على الزوجة)(4).إذن فهناک تضافرٌ ـ بل تواتر ـ في نقل الإجماع.الأدلّة 1 ـ الکتابأهمّ وأوّل دليل على هذه المسألة هو من الکتاب الکريم قوله تعالى:(حُرِّمَتْ عَلَيْکُمْ أُمَّهَاتُکُمْ وَبَنَاتُکُمْ وَأَخَوَاتُکُم... وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ)(5)، وقد بيّن الله سبحانه في هذه الآية والآية السابقة لها والآية اللاحقة أيضاً حرمة خمسة عشر مورداً من المحرّمات بالنسب والرضاع والمصاهرة، منها محلّ کلامنا، أي حرمة الجمع بين الأُختين. وبعد بيانها قال تعالى: (وَأُحِلَّ لَکُم مَّا وَرَاءَ ذَلِکُمْ)(6).وهذا المقدار واضح لا کلام فيه، ولکن يقع الکلام في المراد من قوله تعالى: (إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) بعد قوله تعالى: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ).وقد ذکر له ثلاثة تفسيرات:الأول: أن يکون المقصود: ما فعلتموه سابقاً من هذه الموارد، فلا تؤاخذون عليه. وإن کان قد حصل منه أولاد فهم أولاد حلال.الثاني: أن يکون المقصود: أنّه إن کنتم سابقاً قد عقدتم على أختين فلا إشکال في إدامة ذلک. وهذا ما لم يقل به أحد.وقال الطبرسي ـ قدّس سرّه ـ بأنّ المعنى الأوّل هو المراد باتفاق المسلمين.الثالث: يمکن أن يکون المقصود الإشارة إلى ما کان جائزاً في بعض الأديان السابقة من الجمع بين الأُختين، ومن جملة ذلک جمع يعقوب ـ عليه السلام ـ بين أُختين هما: (راحيل) أمّ يوسف عليه السلام، و(ليا) أو (لعيا) أمّ يهودا. وهذا الاحتمال بعيدٌ جدّاً؛ لأنّ الخطاب للمسلمين فقط.وأفضل الاحتمالات هو الأوّل.سؤال: هل أنّ قوله تعالى: (إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) يرجع إلى تمام الموارد الثلاثة عشر السابقة، أو إلى المورد الأخير فقط؟والجواب: لا إشکال في رجوعه إلى الجميع، ولکنّه بعيد؛ لأنّ نکاح الأمّهات والأخوات لم يکن موجوداً عند العرب، بخلاف نکاح زوجة الأب والجمع بين الأُختين.2 ـ الرواياتوهي روايات کثيرة متواترة تقرب من خمس وعشرين رواية کلّها تدلّ على عدم جواز الجمع بين الأُختين ما عدا رواية أو روايتين.والنکتة في هذه الروايات هي أنّها لا تتحدّث عن أصل المسألة، بل إنّ الکلام يقع في جميعها عن فروع وتفاصيل المسألة کما سوف يأتي بيانه في خلاصة عناوين الأبواب. وهذا يدلّ على أنَّ أصل المسألة مسلّم إلى حدّ لم يقع فيه أيّ سؤال. وهذا يشير إلى قاعدة کليّة مفادها أنّه کلّما کانت أسئلة الرواة تتجه إلى قيود وشروط وموانع المسألة، فإنّ ذلک يدلّ على تسليم أصل المسألة وأنّها في حدٍّ ما فوق التواتر.وإليک خلاصة عناوين الأبواب التي وردت فيها هذه الروايات:1 ـ الباب (24) مضمونه: حرمة الجمع بين الأختين حتى الرضاعيتين في المتعة.2 ـ الباب (25) مضمونه: أنّه لو عقد على الأختين هل يتخيّر في انتخاب أيّهما شاء؟3 ـ الباب (26) مضمونه: حکم من يتزوّج أخت زوجته جهلاً.4 ـ الباب (27) مضمونه: في أنَّ من تمتع بامرأة لم تحلّ له أختها حتى تنقضي عدّتها.5 ـ الباب (28) مضمونه: تحريم تزويج المرأة في عدّة أختها الرجعية.6 ـ الباب (29) مضمونه: تحريم الجمع بين الأختين من الإماء في الوطء.وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين._______________________(1) النساء: 23.(2) المستند 16: 309.(3) جامع المقاصد 12: 338.(4) کشف اللثام 7: 197.(5) النساء: 23.(6) النساء: 24.

المؤلف:

298-المصاهرة

298-المصاهرة

يقول الإمام الخميني ـ قدّس سرّه ـ: (مسألة 14: لو طلّق العمة أو الخالة فإن کان بائناً صحّ العقد على بنتي الأخ والأُخت بمجرد الطلاق، وإن کان رجعياً لم يجز بلا إذن منهما إلاّ بعد انقضاء العدّة).يقع الکلام هنا في أنّه لو طلّق العمّة أو الخالة وأراد أن يعقد على ابنة الأخ أو ابنة الأُخت في عدّة العمة أو الخالة، فهل هذا العقد صحيحٌ أو لا؟القاعدة الکلية في هذا الباب أنّ العدّة على قسمين:عدّة رجعية: وهي في حکم النکاح، ولا تکون المرأة فيها منفصلة کليّة، وتترتب عليها تمام أحکام الزوجية، ومنها عدم جواز العقد على ابنة أخيها أو أُختها إلاّ بإذنها.وعدّة البائن: وهي التي تکون في طلاق الخلع والمباراة، والطلاق الثالث أو التاسع وأمثال ذلک. والحکم فيها أنّ المرأة تبين کلياً عن زوجها بالطلاق. وعليه يتمکّن الزوج المطلِّق من العقد حينئذ وقبل تمام هذه العدّة على ابنة أخ مطلّقته وابنة أُختها؛ لأنه لا يحصل حينئذٍ جمعٌ بين المرأة وابنة أخيها أو أُختها.وهذا الحکم واضح.وبهذا يتمّ الکلام فيما تعرّض له الإمام الخميني ـ قدّس سرّه ـ ابتداء من المسألة التاسعة وإلى هذه المسألة من حکم الجمع بين المرأة وابنة أخيها أو أُختها. وقد بقي هاهنا مسألتان تعدّان من فروع هذا البحث لم يتعرّض لهما الإمام ـ قدّس سرّه ـ بينما ذکرهما صاحب (العروة) قدّس سرّه، لابدّ من التعرّض لهما فنقول:المسألة الأُولى: لو عقد في آن واحد على العمّة وابنة أخيها من دون إذن العمّة، أو الخالة وابنة أُختها کذلک، فما هو الحکم؟ لا يمکن الحکم بصحة کلا العقدين کما هو واضح. وقد احتمل بعضهم مثل السيد الحکيم ـ قدّس سرّه ـ بطلان کلا العقدين. أقول: ليس هناک وجهٌ لبطلان کلا العقدين؛ لأنّه إذا کان هناک شيئان متزاحمان أحدهما مطلق والآخر مشروط، فإننا نأخذ بالمطلق وندع المشروط لعدم تحقّق شرطه، حيث إنّ المطلق بتحققه ينفي موضوع المشروط، بينما المشروط لا يمکنه فعل ذلک. وعليه لا شک في صحة عقد العمّة والخالة لإطلاقه، وبطلان عقد البنتين لمشروطيته، ولا معنى لصحة کلا العقدين أو بطلانهما معاً.المسألة الثانية: قد يقع نزاعٌ بين الزوج وزوجته (العمّة أو الخالة) بأنّه قد عقد على ابنة أخيها أو أُختها قبل العقد عليها وتنکر هي ذلک، أو يدّعي بأنّها قد أذنت له في العقد عليهما وتنکر هي ذلک. فهو إذن قد عقد على ابنة الأخ أو الأُخت ويدّعي صحة هذا العقد، وتنکر زوجته ذلک وتدّعي الفساد.ويمکن أن يقع التنازع بين العمّة وابنة أخيها أو الخالة وابنة أُختها، فتدّعي البنتان إجازة العمّة والخالة لعقديهما، وتنکر العمّة أو الخالة ذلک.فإذا رُفعت الدعوى إلى الحاکم الشرعي فهل يحکم بصحة العقد بناء على أصالة الصحة ويطالب الزوجة (العمة أو الخالة) المدّعية للفساد بإقامة الدليل عليه أو لا؟ قد يظهر في بدو النظر أنّه يحکم بالصحة؛ لأنّه کلما شک في اجتماع الشرائط حال صدور العقد تجري أصالة الصحة لتثبت صحة العقد الصادر، فيقدم قول مدّعي الصحة ويطالب مدّعي الفساد بالبينة، ولا تجري أصالة عدم الشرط؛ لأنّ أصالة الصحة في العقود أمارة فتکون مقدّمة.إلاّ أنّه ذکر في (العروة) بأنّه يقدم هنا قول الزوجة المدّعية للفساد؛ لأنّ المقام يفرق عن سائر العقود.والإنصاف صحة ما ذهب إليه في (العروة).بيانه: أنّ حاصل الفرق بين المقام وسائر العقود هو أنّ أصالة الصحة تجري في باب العقود فيما إذا کانت الشرائط اللازمة قائمة بالطرفين (الموجب والقابل)، فإذا ادّعى أحدهما بعد حصول العقد فساده لا يقبل منه ويحکم بصحة ما صدر. والمقام ليس کذلک؛ حيث إنّ شرط الصحة قائم بطرف ثالث، وهو العمّة أو الخالة، حيث يلزم إذنهما في صحة العقد؛ فإذا أنکرتا الإذن ـ کما هو فرض المسألة ـ لا يمکن التمسّک بأصالة الصحة حينئذٍ.ومثال الحالة الأُولى التي يتمسّک فيها بأصالة الصحة أن تدّعي الزوجة إجبار والدها لها مثلاً على العقد وأنّها لم تکن راضية به، فهنا لا يقبل منها الحاکم الشرعي ذلک، إلاّ أن تقيم بيّنة عليه، وهذا خروج عن محلّ البحث.وخلاصة القول: إنّ أصالة الصحة ثابتة بحکم الشارع وبناء العقلاء، ومع عدمها لا يمکن الحکم بصحة أيّ عقد. نعم، لو أقام المدّعي بيّنة على الخلاف تقبل منه، وهذا القدر متيقّن فيما إذا لم يکن هناک دخالة لشخص ثالث غير المتعاقدين، ومعه لا يمکن الرجوع إلى أصالة الصحة. فلو باع المالک الدار المرتهنة وادّعى إذن المرتهن في ذلک وأنکر المرتهن، فإنّه لا يمکن التمسّک بأصالة الصحة لإثبات صحة هذا البيع.وبهذا يتضح الحکم الکلي بالنسبة لأصالة الصحة في باب العقود.وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

المؤلف:

297-المصاهرة

297-المصاهرة

حکم الفرع الثاني: وهو أن يشترط الزوج على العمّة أو الخالة في العقد أن يکون له الحق في الزواج من بنت الأخ أو الأُخت، فإذا قبلتا هذا الشرط فهو إذنٌ منهما؛ فإذا أراد الزوج فيما بعد العقد على بنت الأخ أو الأُخت فعرفت الزوجة ورجعت عن الالتزام السابق فهو رجوعٌ في الإذن. وعليه لا يجوز للزوج العقد حينئذٍ إلاّ بعد تحصيل إذنهما.وعلى هذا فإنّ فائدة هذا الشرط هي جواز العمل بمقتضاه طالما لم ترجع الزوجة في الإذن.وهاهنا نکتة لم يذکرها الإمام الخميني قدّس سرّه، وهي أنّه هل يجب على الزوجة تکليفاً هنا العمل بمقتضى الشرط، فيجب عليها الإذن أو لا؟والجواب: يجب عليها الوفاء بهذا الشرط وإجازة الزواج من بنت الأخ أو الأُخت؛ لأنّ المؤمنين عند شروطهم.سؤال: إذا امتنعت هل يمکن لحاکم الشرع أن يلزمها؟والجواب: في موارد أُخرى يقال بأنّه يمکن لحاکم الشرع أن يلزم المشروط عليه العمل بمقتضى الشرط، کما لو باع داراً وامتنع عن تسجيلها باسم المشتري في السجلات العقارية، أو باعه سلعة واشترط عليه أن يخيط له ثوباً، فلم يعمل بشرطه. فهنا على الحاکم أن يلزمه بتسجيل الدار وخياطة الثوب؛ لأنه يجب على الحاکم إحقاق الحقوق.وأمّا في موردنا فلا يمکن للحاکم إجبار الزوجة على الإذن؛ لأنّ الإذن ناتج عن حالة نفسانية، فلا يقبل الإلزام. نعم، يمکن للحاکم أن يوبّخها ويعزّرها بنوعٍ من التعزير المتناسب مع هذه المعصية فقط.ولا ينحصر هذا المعنى بما نحن فيه، بل يأتي في موارد أُخرى أيضاً.إذا تزوّج امرأة وابنة أخيها أو أُختها وشک في السابق منهمايقول الإمام الخميني ـ قدّس سرّه ـ: (مسألة 13: لو تزوج بالعمة وابنة الأخ والخالة وبنت الأُخت وشک في السابق منهما حکم بصحة العقدين. وکذلک فيما إذا تزوّج بنت الأخ أو الأُخت وشک في أنّه کان عن إذن من العمّة أو الخالة أم لا حکم بالصحة).قلّ من تعرّض لهذه المسألة من الفقهاء، وقد تعرّض لها في (العروة)، وذکرها الإمام ـ قدّس سرّه ـ هنا. ويتصوّر فيها ثلاث حالات:1 ـ أن يکون عقد العمّة مثلاً سابقاً فيبطل عقد بنت الأخ لفرض عدم الإذن.2 ـ أن يکون العقدان متقارنين فيصح عقد العمّة ويبطل عقد بنت الأخ.3 ـ أن يکون عقد بنت الأخ سابقاً على عقد العمّة فيصحّ کلا العقدين.والفرض أننا نشک ولا نعلم واقع الحال فما هو الحکم.ذکر الإمام ـ قدّس سرّه ـ وکذلک صاحب (العروة) بأنّه يُحکم بصحة کلا العقدين، عملاً بأصالة الصحة؛ لأنّه في تمام العقود کلّما شک في صحة عقدٍ بعد وقوعه يتمسک بأصالة الصحة ويحکم بصحته. وهنا يحتمل الصحة ـ بناء على الفرض الثالث ـ فيحکم بها.إن قلت: لماذا لا تجري هنا أصالة الفساد؟قلنا: إنّما تجري هذه الأصالة مع الشک أثناء العقد، وأمّا مع الشک بعد وقوعه فتجري أصالة الصحة.إن قلت: لماذا يحکم هنا بصحة العقدين ولا يُرجع إلى بحث معلوم التاريخ ومجهول التاريخ؟ فيقال: لو کان عقد العمّة في أوّل رجب مثلاً، ويجهل بتاريخ عقد بنت الأخ، فيستصحب عدم وقوعه إلى حين وقوع عقد العمّة، فيکون عقد العمّة سابقاً عليه فيقع باطلاً. وعليه لا يحکم إلاّ بصحة عقد العمّة.قلنا: لا يجري هذا الاستصحاب لأنّه أصل مثبت؛ فأنتم تريدون القول بأنّ عقد بنت الأخ مثلاً لم يقع قبلاً، وعدم وقوع العقد قبلاً لا يفيد، بل لابدّ من إثبات تأخّره عن عقد العمّة حتى يکون واقعاً بلا إذن فيبطل، وإثبات التأخّر لازم عقلي وأصلٌ مثبت.وعلى هذا لو کان الأثر مترتباً على العدم فإنّه يثبت، ولکنّه مترتب على التقارن أو التأخّر، وإثباتهما بالاستصحاب أصلٌ مثبت.إذن ميزة الفرع الأوّل من هذه المسألة هو اليقين بعدم إذن العمّة أو الخالة، والشک في السابق في عقديهما أو عقدي بنت الأخ أو الأُخت.وأمّا الفرع الثاني فيها فهو أن يشک بعد العقد على بنت الأخ مثلاً في أنّه کان عن إذن من العمّة أو لا؟ وهنا يُحکم بالصحة أيضاً اعتماداً على أصالة الصحة. نعم، إنّما يرجع إلى هذه الأصالة في غير مورد التنازع والدعوى، ومع رفع المسألة إلى القاضي ينتظر فيها حکمه.وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

المؤلف:

296-المصاهرة

296-المصاهرة

يقول الإمام الخميني ـ قدّس سرّه ـ: (مسألة 11: إذا أذنتا ثم رجعتا عن الإذن فإن کان الرجوع بعد العقد لم يؤثّر في البطلان، وإن کان قبله بطل الإذن السابق، فلو لم يبلغه الرجوع وتزوّج توقف صحته على الإجازة اللاحقة).الأقوالقلّ من تعرّض لهذا البحث من الأعلام، والذين تعرّضوا له فصّلوا فيه بين حالتين: الأُولى: أن ترجع العمّة أو الخالة عن الإذن بعد تمام العقد، فرجوعهما لا أثر له.الثانية: أن ترجعا قبل تمام العقد، فيؤثّر رجوعهما حينئذٍ.دليل الحالة الأُولىأمّا أن رجوعهما بعد تمام العقد لا أثر له فلأنّ الإطلاقات المشترطة لإجازتهما لا إطلاق لها لما بعد تمام العقد.وبعبارة أُخرى: عقد بنت الأخ والأُخت ليس لعبة في يد العمّة والخالة تبطلانه ساعة تشاءان.إن قلت: يمکن أن تُصوّر المسألة موضوعاً للاستصحاب بأن يقال: إجازة العمّة والخالة تؤثّر قبل العقد ويمکنهما الرجوع فيها حينئذٍ، وبعد العقد نشک في بقاء هذا الحق لهما فنستصحب.قلنا: أرکان هذا الاستصحاب غير تامّة؛ لعدم الاتّحاد في الموضوع؛ حيث إنّ الموضوع المتيقن هو الإجازة قبل العقد، والموضوع المشکوک هو الإجازة بعد العقد.هذا مضافاً إلى أنّه استصحاب في الشبهات الحکمية، ونحن لا نقول بحجيته فيها.دليل الحالة الثانيةوأمّا تأثير رجوعهما في الإجازة قبل العقد فوجهه شمول الإطلاقات له؛ حيث إنّه مع رجوعهما کذلک لا يکون العقد صادراً عن إذنهما، فيقع باطلاً وفاقداً لشرط صحته.حکم اشتراط إسقاط إذن العمة والخالة وحالاتهيقول الإمام الخميني: (مسألة 12: الظاهر أنّ اعتبار إذنهما ليس حقاً لهما کالخيار حتى يسقط بالإسقاط، فلو اشترط في ضمن عقدهما ألاّ يکون لهما ذلک لم يؤثّر شيئاً، ولو اشترط عليهما أن يکون للزوج العقد على بنت الأخ أو الأُخت فالظاهر کون قبول هذا الشرط إذناً. نعم، لو رجع عنه قبل العقد لم يصح العقد، ولو شرط أنّ له ذلک ولو مع الرجوع بحيث يرجع إلى إسقاط إذنه فالظاهر بطلان الشرط).يقع البحث في هذه المسألة في فرعين، يتوقف بيان حکمهما على تقديم مقدمة مهمّة وقاعدة کليّة حول الفرق بين الحکم والحق القابل للإسقاط، فنقول: هناک شيئان ينبغي التفريق بينهما:1 ـ الحکم الشرعي، وهو لا يقبل الإسقاط، وليس للعباد حق التشريع أو إسقاط الأحکام الشرعية.وهو ليس شيئاً يمکن إسقاطه من خلال اشتراطٍ في ضمن العقد مثلاً. مثل ولاية الأب على الصغير، وکون الطلاق بيد الزوج؛ حيث إنّهما حکمان إلهيان لا يمکن للأب والزوج إسقاطهما من أيديهما والتنازل عنهما. نعم، يمکن للزوج في ضمن العقد أن يجعل زوجته وکيلة عنه في طلاق نفسها في حال حصول بعض الأُمور. ولکن هذا ليس إسقاطاً لحق الطلاق الشرعي الذي جعله الله في يد الزوج.وهکذا في الإرث؛ حيث إنّ المشهور على ألسنة العوام أنّ فلاناً حرم ابنه من الميراث. لا يحق للأب ذلک؛ لأنّ إرث الولد من أبيه حکمٌ شرعي لا يمکن تجاوزه.إذن کلما کان الحق حکماً شرعياً فإنه لا يقبل النقل ولا الإسقاط.2 ـ الحق، والذي لا يعود في حقيقته إلى حکم شرعي، فهذا يقبل الإسقاط ومصداقه البارز حقّ الخيار، کخيار الشرط مثلاً؛ حيث إن الشارع المقدّس جعل زمام هذا الخيار بيد مشترطه يستطيع إسقاطه متى يشاء. وهکذا يستطيع الإنسان أن يهب أمواله زمن حياته وفي غير مرض الموت لمن يشاء.وما سبق مصاديق واضحة، ولکنّ هناک بعض الموارد المبهمة، لا يُعلم کونهما من قبيل الحکم الشرعي أو من قبيل الحق، ومثاله حقّ حضانة الأُمّ لولدها أو الأب لولده، فهل مع اشتراط إسقاطه ونقله لشخص آخر يصح هذا الشرط أو لا؟ ومع الشک إلى ماذا يرجع؟وبعبارة أُخرى: من أين يعلم أنّ هذا حقّ أو حکم؟طرق تشخيص الحق والحکمهناک عدّة طرق يمکن من خلالها تمييز الحق من الحکم هي:1 ـ تصريح النصوصحيث إنّ بعض الموارد وردت فيها نصوص خاصة صرّحت بما يدلّ على أنّ هذا حکمٌ لا حقّ، کما في النصوص التي تصرّح بأنّه لا يحقّ لأحدٍ أن يتنازل عن حقّه الشرعي في تجديد النکاح، وأنّه لو فعل ذلک فالشرط باطل.2 ـ الإجماعفأحياناً قد ينعقد إجماعٌ على أنّ هذا الشيء من الأحکام وذاک مثلاً من الحقوق.3 ـ الأصلولنأخذ محلّ الکلام کمثال: إذا لم يقم إجماعٌ ولا کان هناک نصٌ يبيّن حال إذن العمّة والخالة وأنّه من قبيل الحکم أو الحق، وشککنا، فحينئذٍ نرجع إلى مقتضى الأصل، وهو يقتضي هنا کونه من قبيل الحکم فلا يجوز إسقاطه، وذلک بدليلين:ألف: إطلاق الأدلة الذاکرة لشرطية إذن العمّة والخالة حتى لصورة ما إذا اشترط عليهما ضمن العقد إسقاط حقهما في عدم الإذن بالزواج من بنت الأخ والأُخت، فهذه الإطلاقات تقول: هذا الشرط باطل ولکما الحق في عدم الإذن.باء: الاستصحاب ـ عند من يقول بجريانه في الشبهات الحکمية ـ بتقريب: أننا نشک في سقوط اعتبار إذن العمّة والخالة بعد إسقاطهما لحقّهما في الإذن وعدمه بالشرط ضمن العقد، فنستصحب بقاء حقهما في ذلک.والنتيجة: هي أنّ هناک فرقاً بين الحکم والحقّ، ومع الشک في موردٍ أنّه من قبيل الحکم أو الحقّ فالأصل يقتضي کونه حکماً، فلا يقبل الإسقاط.وبعد اتضاح القاعدة الکليّة في المسألة نأتي للفرع الأوّل في مسألتنا ونقول: ظاهر الأدلة عدم نفوذ الاشتراط على العمّة والخالة بأنّه لا حقّ لهما في عدم الإذن بالزواج من بنت الأخ والأُخت؛ لأنّ الظاهر منها کونه من قبيل الحکم الإلهي، ومع الشک فالأصل يقتضي کونه حکماً کذلک. فما ذکره الإمام الخميني ـ قدّس سرّه ـ في هذا الفرع تامٌ.وقد تعرّض السيد الحکيم ـ قدّس سرّه ـ لهذه المسألة تبعاً لصاحب (العروة)، وذکر دليلين على أنّ إذن العمّة والخالة من قبيل الحکم لا الحق، هما:1 ـ ما ذکره بقوله: (ليس اعتبار الإذن في المقام من باب اعتبار إذن المالک لعين أو حق في التصرّف فيه، بل مجرّد حکم الشارع بالتوقف على الإذن؛ لأنّ البناء على الأوّل يتوقف على ثبوت ملک لعين أو فعل، وهو خلاف الأصل)(1)، ولکن هذا الدليل لا يخلو من إبهام.2 ـ إطلاق الأدلة، وأشار إليه بقوله: (بل خلاف إطلاق الدليل الموجب لاعتباره ولو بعد الإسقاط)(2).ولم يعلّق أيّ من محشّي (العروة) على هذه المسألة إلاّ السيد الگپايگاني، حيث علّق على قول صاحب (العروة): (الظاهر أن اعتبار إذنهما من باب الحکم الشرعي...) فقال: (منشأ الاستظهار غير معلوم. نعم، مقتضى الاستصحاب عدم التأثير لا الإسقاط)(4)، وهذا هو الاستصحاب الذي ذکرناه نحن.طبعاً الحقّ هنا مع السيد الحکيم قدّس سرّه؛ لأنّ الاستصحاب من الأُصول العملية، والإطلاق من الأُصول اللفظية، ومع وجود الأصل اللفظي لا تصل النوبة إلى الأصل العملي.ولابدّ من التنبيه هنا على أنّ هذا الشرط مع فساده لا يفسد العقد، فيبقى عقد العمّة والخالة صحيحاً، ولهما الحق في عدم الإذن بالزواج من بنت الأخ والأُخت.وصلّى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطاهرين._________________________(1) المستمسک 14: 203.(2) المستمسک 14: 203.(3) العروة الوثقى 2: 663، ذيل المسألة 18 من مسائل المحرمات بالمصاهرة.

المؤلف:

202-شرائط الرضاع المحرِّم

202-شرائط الرضاع المحرِّم

لا يزال الکلام في الشرط الأوّل من شرائط الرضاع المحرِّم، وهو کون اللبن ناتجاً عن وطءٍ صحيح، وقد تبيّن أنّه في تفصيل البحث هناک ست صور يجري البحث فيها، وقد انتهينا من بيان حکم خمسٍ منها واليوم نبيّن حکم السادسة بإذن الله.حکم لبن الولادة قبل وقتهاأحياناً قد تحصل الولادة قبل أو أنّها وقد يتّفق درّ ثديي المرأة للبن، فهل يحرِّم هذا اللبن إذا أرضعت به أو لا؟.في المسألة عدّة صور إذ تارةً تکون الولادة قبل ولوج الروح في الوليد، وأخرى بعد ولوجها فيه ولکن يولد ميّتاً، وثالثة بعد ولوج الروح ولکن يکون الولد في سنٍ لا يعيش فيه، وهناک صورة رابعة وهي أن يولد الولد بعد ولوج الروح کاملاً حيّاً وفي سنٍ يعيش فيه.أمّا الصورة الأولى فأنّه لا يعدّ ذلک ولادة ولا ولادة إنسان، وإنما هو خروج لشيء يمکن أن يصبح إنساناً لو کمل، فلا يکون الرضاع من لبنه محرّماً.وأمّا الصورة الثانية فإننا نقول بصدق الولادة فيها لأنَّ الحياة ليست شرطاً في نشر الحرمة. وهکذا الحال في الصورة الثالثة.وأمّا الصورة الرابعة فهي القدر المتيقن من نشر الحرمة لاستجماعها لتمام الشرائط المعتبرة. إذن في تمام هذه الصور تحصل الحرمة بالرضاع إلاّ في الصورة الأولى.هذا تمام الکلام في هذه المسألة، وقد اتضّح أننا نوافق الإمام ـ قدس سره ـ في کل ما ذکره فيها، أي في شرطية النکاح وما يلحق به، وفي کفاية سبق الماء، وفي شرطية الولادة وعدم کفاية الحمل. مضافاً إلى أنّنا قد أضفنا بعض الصور خلال البحث لم يذکرها ـ قدس سره ـ في عبارته.بقي هنا أمورالأمر الأوّل: إذا کانت الولادة قيصرية عن طريق شق البطن، فهل حکمها من حيث نشر الحرمة بالرضاع حکم الولادة الطبيعية أو لا؟لها نفس الحکم، ولکن لا من باب شمول الإطلاقات السابقة لها لأنَّ مثل هذه الولادة لم تکن متعارفة زمن النصّ، بل من باب إلغاء الخصوصية عرفاً بينهما.وعن طريق إلغاء الخصوصية أيضاً نحکم بالنفاس على المرأة التي تلد بهذا الشکل، وإذا لم يخرج من فرجها أي دم وإنما خرج من الشق أثناء الولادة ففي ثبوت النفاس بحثٌ.الأمر الثاني: إذا تولّد ولدٌ عن طريق الاستنساخ ـ الذي مرّ بيانه مفصّلاً أواخر العام الماضي ـ وحصل للمرأة حاملة الخليّة المستنسخة لبن وأرضعت به فهل ينشر الحرمة أو لا؟الظاهر من الأدلة أنَّ وجود الفحل وحصول الولد نتيجة النکاح شرطٌ في نشر الحرمة، وفي المقام اللبن ليس مستنداً إلى فحلٍ ونکاح. وإذا أشکل على روايات الفحل بأنَّها ليست في مقام البيان من هذه الجهة، فإنّه يمکننا أن نقول بأنَّ هذا فردٌ نادر فلا تشمله الإطلاقات؛ حتى أنَّ هذا اللبن ليس لبن أمّ، لأنّه ـ وکما تقدم في محلّه ـ ليس هناک رابطة الأُمومة النسبيّة بين الولد المستنسخ والمرأة التي حملت خليّته لتنمو في رحمها.الأمر الثالث: أن يحصل الحمل عن طريق زرع النطفة في الرحم، وهذا له صور: الصورة الأولى: أن تلقّح المرأة بماء رجلٍ أجنبي، وحکم هذه الصورة في نفسها هو عدم الجواز، ولو حصل ولدٌ فإنّه يکون شبيهاً بولد الزنا، لأنّ نطفته لم تنعقد نتيجة نکاح شرعي، فيکون له حکمه من حيث عدم نشر الحرمة بلبنه.وأمّا حرمة هذا العمل في نفسه ـ وبغضّ النظر عما يستلزمه من مقدمات محرّمة کاللمس والنظر ـ فهي لأنّ دخول الرجل بالمرأة الأجنبية إنّما هو مقدّمة بحسب ما يستفاد من بعض الروايات المعلِّلة لحرمة الزنا بأنّه يسبّب اختلاط الأنساب، فهذا هو المعيار، وهو موجود في هذه الصورة.الصورة الثانية: أن ترکّب النطفة خارج الرحم بشکل شرعي من امرأة وزوجها ثم توضع في رحم امرأة أخرى بسبب عدم تمکّن صاحبة النطفة من الحفاظ على الحمل. ولا إشکال في هذا العمل في نفسه ـ بغض النظر عن المقدّمات ـ، سواء کانت المرأة الأخرى عزباء أو متزوّجة، والولد يتبع صاحبي النطفة، ولکن اللبن الذي يدرّ من ثديي المرأة حاملة النطفة ليس لبن أُمٍ فلا ينشر الحرمة.الصورة الثالثة: أن ترکّب النطفة خارج الرحم من المرأة وزوجها ثم بعد أن تقوى توضع في رحم الزوجة. ولا إشکال هنا في نشر الحرمة باللبن الذي قد يدرّه ثديا هذه المرأة بعد الولادة؛ لأنّه لبن ناتج عن نطفة شرعية مستندة إلى فحلٍ.وينبغي إلفات النظر إلى أنَّ هذا العمل في تمام هذه الصور مستلزم للنظر واللمس المحرّمين إذا کان الطبيب أجنبياً فلا يجوز إلاّ في موارد الضرورة.إشکالٌ في المقام وجوابهوقد أُشکل علينا بإشکالٍ في محلّ البحث ولکن دائرته أوسع، وهو:إن قلت: ذکرتم بأنّ الولادة القيصرية ليست مشمولة لإطلاقات أدلة وعمومات الرضاع لأنّها مستحدثة ولم تکن متعارفة في عصر المعصومين عليهم السلام، ولذلک تمسکتم للشمول بإلغاء الخصوصية، وقلتم بأنَّ العرف لا يرى فرقاً بين الولادة الطبيعية والولادة القيصرية، إذن کيف تتمسکون بمثل: ((أوفوا بالعقود)) بالنسبة للعقود المستحدثة مثل عقد التأمين وتحکمون بلزوم الوفاء به شرعاً، والحال أنّه لم يکن متعارفاً زمان المعصومين عليهم السلام؟.قلنا: هناک فرقٌ کبير بين باب الرضاع وأبواب العقود والمعاملات، وهو أنّ الرضاع أمرٌ تعبدي تُنتظر جزئياته من الشارع المقدّس بينما تلک الأبواب إمضائية.توضيحه:إنّ الشارع المقدّس لم يتدخل في المعاملات إلاّ بنحو الإمضاء لما هو موجود عند العقلاء بعد أن شرط فيه توفّر بعض الأُصول من دون أن يتعرّض للجزئيات، فشرط في المعاملة عدم الغبن، والتراض، وکون المعاملة للکبير والعاقل، وعدم الضرر، وأن لا تکون ربويّة…؛ فإذا حصل عقدٌ عند العقلاء کعقد التأمين وکان مستجمعاً لهذه الشرائط فإنّه يکون ممضياً شرعاً بمثل ((أوفوا بالعقود))، بينما لا يمکن التمسّک بالإطلاق في الرضاع لأنّه ليس أمراً موجوداً عند العقلاء بل الشارع هو الذي اخترعه، فهو أمرٌ تعبّدي لا يتصوّر فيه الإمضاء.وبهذا يتمّ البحث في مقدمة باب الرضاع، ونبدأ في الدرس القادم ـ إن شاء الله ـ بالبحث في مسائله.وصلّى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطاهرين.

المؤلف:

201-شرائط الرضاع المحرِّم

201-شرائط الرضاع المحرِّم

تتمة الکلام في حکم لبن ولد الشبهةکان الکلام في الصورة الرابعة حول أنّه هل ينشر لبن الشبهة الحرمة أو لا؟ وقد تعرّضنا خلال مناقشتنا للوجه الذي ذکره صاحب (الجواهر) ـ قدس سره ـ إلى الحديث الذي يقول: ((لکل قوم نکاح))(1)، وبنينا على أساسه على شرعية أنکحتهم وأنّها ليست من قبيل وطء الشبهة.إن قلت: إنّ هذه العبارة ليست دليلاً على إمضاء أنکحتهم، فيبقى أولادهم أولاد شبهة؛ وذلک لأن هذه العبارة واردة في روايات حدّ القذف، وليس فيها نظر إلى إمضاء أنکحتهم.قلنا: إنّ المستشکل بهذا الإشکال لم يقرأ أحاديث الباب جيداً، إذ هذه العبارة واردة في عدة روايات في بابين:الأوّل: في الباب 83 من أبواب نکاح العبيد والإماء من الوسائل،وفيه عدّة روايات.الثاني: في الباب الأوّل من أبواب حدّ القذف من الوسائل.وإليک نموذجاً من روايات الباب 83:عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ((کل قوم يعرفون النکاح من السفاح فنکاحهم جائز))(2).فهل معناها أن ذلک خاصٌ بمسألة القذف؟ کلا، إنه اعتراف بشرعية نکاحهم.حکم لبن الحملوأمّا الصورة الخامسة فهي أن يحصل اللبن في الثدي نتيجة وطء شرعي ولکن أثناء الحمل وقبل الولادة، فهل يحرّم أو لا؟الأقوال في ذلک مختلفة رغم أنَّ کثيرين لم يتعرّضوا لهذه الصورة، فالإمام ـ قدس سره ـ يصرّح بشرطية کونه بعد الولادة حيث يقول: (بل الظاهر اعتبار کون الدرّ بعد الولادة، فلو درّ من غير ولادة ولو مع الحمل لم تنشر به الحرمة على الأقوى).وقد اختار ذلک قبل الإمام العلاّمة الحلّي ـ قدّس سرّهما ـ ولکن في کتابه (التحرير) بينما اختار في (القواعد) القول بکفاية الحمل.قال الشيخ الأنصاري ـ قدس سره ـ: (وهل يعتبر انفصال الولد أو يکفي الحمل؟ وجهان، بل قولان، اختار العلاّمة أوّلهما في (التحرير) وثانيهما في (القواعد)، وهو الأظهر)(3) أي کفاية الحمل.وذهب في (الحدائق) إلى الأوّل ونقل عن (التذکرة) حکايته أنّ الشيخ في (المبسوط) قد اختار الثاني(4).الأدلّةأمّا القول بعدم شرطية الولادة وبالتالي کفاية الحمل فقد استدل له:أوّلاً: بالإطلاقات، مثل: قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُکُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَکُمْ)(5)، وقولهم ـ عليهم السلام ـ: ((يحرم من الرضاع…))(6)، حيث إنّ أيّاً منها لم تذکر شرطية الولادة، فيتمسّک بالإطلاق؛ وعلى من يقول بالشرطية أن يثبت ذلک.وفيه: أنّه من غير المعلوم کون هذه المطلقات في مقام البيان من هذه الجهة، خصوصاً أنَّ درّ اللبن أثناء الحمل فردٌ نادر.وثانياً: بروايات الفحل، مثل صحيحة بريد العجلي السابقة عن الباقر ـ عليه السلام ـ والتي قال فيها ـ عليه السلام ـ: ((کل امرأة أرضعت من لبن فحلها…))(7). فيقال: أليس الحمل ابناً للفحل واللبن مستند إلى الفحل؟ لا شک أنَّه کذلک، إذن فيکون لبنه محرِّماً.وهذا الاستدلال أيضاً قابل للخدشة، إذ قد ذکرنا سابقاً أنّه يحتمل عدم نظر هذه الروايات إلى مسألة الحمل والولادة وغيرهما من الشرائط والخصوصيات وأنَّها إنّما تُبيّن شرطية وحدة الفحل.وأمّا القول بشرطية الولادة والذي اختاره الإمام ـ قدس سره ـ فيستدلّ له بقوله ـ عليه السلام ـ في بعض الروايات: ((امرأة درّ لبنها من غير ولادة…))(8)، والذي من الممکن أن يکون له فردان:الأوّل: درّ اللبن من المرأة غير المتزوّجة.الثانية: درّ اللبن من المرأة المتزوّجة الحامل.فإذا قبلنا کون المراد هو الفرد الثاني ـ ولابدّ من قبوله لندرة درّ اللبن من المرأة غير المتزوّجة بخلاف المرأة الحامل خصوصاً الحامل المقرب ـ فإنَّ هذه الروايات تکون أخصّ من المطلقات فيؤخذ بها.إذن الحق في المسألة ما ذهب إليه الإمام الخميني قدس سره.هذا وقد استدلّ بعضهم برواية عبد الله بن سنان ـ المعتبرة ظاهراً ـ على شرطية الولادة، والرواية هي:عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن لبن الفحل، قال: ((هو ما أرضعت امرأتک من لبنک ولبن ولدک ولد امرأة أخرى فهو حرام))(9) بتقريب أنَّ الرواية تعبّر بـ ((لبن ولدک))، والولد لا يُطلق على الحمل، فظاهرها أنّه لابدّ من تولّد الولد وعدم کفاية الحمل.وهذا الاستدلال جيّد إذا کانت هذه الرواية في مقام البيان من هذه الناحية.ولکن أشکل بعضهم وادّعى بأنَّ الحمل أيضاً يُطلق عليه أنّه ولد، فيصح أن يقال: ولدي الذي في بطني. وقد وجدت شاهداً على ذلک وهو ما ورد في کتاب اللعان، حيث قال الفقهاء بأنّه لو نفى الرجل کون حمل زوجته منه بأنّه قد نفى الولد قبل أن تضع حملها، فيُعلم أنّه يمکن إطلاق الولد على الحمل.والجواب: أنّه يقرب في النظر کون الاستعمال المذکور وأمثاله من المجاز بعلاقة الأوّل والمشارفة.ولکن إذا سلّمنا صحة الاستعمال المذکور وصرفنا النظر عن المجازية فإنّما نقول به فيما إذا کان الحمل ولداً کاملاً وبعد ولوج الروح.وصلّى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطاهرين.___________________________(1) الوسائل 21: 199 ـ 200، أبواب نکاح العبيد والإماء، ب83، ح2. وفي الوسائل هکذا: ((فإن لکل قوم نکاحاً)).(2) الوسائل 21: 200، أبواب نکاح العبيد والإماء، ب 83، ح3.(3) تراث الشيخ الأعظم 20: کتاب النکاح، 291.(4) الحدائق 23: 325 ـ 326.(5) النساء: 23.(6) الوسائل 20: 371، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب1، ح1.(7) الوسائل 20: 388، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب 6، ح1.(8) الوسائل 20: 398 ـ 399، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب9، ح1 ـ2.(9) الوسائل 20: 389، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب6، ح4.

المؤلف:

200-شرائط الرضاع المحرِّم

200-شرائط الرضاع المحرِّم

کنّا في مقام بيان أحکام الصور الستة المتصورة في بحث شرطية کون اللبن عن وطءٍ صحيح، وقد انتهينا من بيان حکم صورتين منها، ونتابع اليوم ـ بإذن الله ـ بيان حکم ما بقي.حکم لبن الولد المنخلق من سبق الماءلو کان ولد المرأة قد انعقدت نطفته عن طريق إراقة الزوج لمائه على باب الفرج من دون دخول فهل ينشر الحرمة أو أنّه لابدّ من انعقاد نطفته عن طريق الدخول؟ ظاهر بعض الأصحاب عدم کفاية ذلک وأنّ الدخول شرط في نشر الحرمة.ولکن الإنصاف کفاية ذلک؛ لأنّه لا دليل عندنا على شرطية الدخول، لأنه:أوّلاً: على فرض وجود رواية تذکر الدخول يمکننا أن نلغي الخصوصية ونحکم بالعموم. ولإلغاء مثل هذه الخصوصية نظائر کثيرة في الفقه، منها: إلغاء خصوصية الرجل في بعض روايات الشک في الصلاة التي تقول: ((رجل شک بين الثلاث والأربع…))(1)، حيث يعلم أنّ ذکر الرجل إمّا لکونه هو المبتلى بالمسألة، أو من باب المثال، أو لکونه هو الغالب؛ ولذا نراهم يطبقون أحکام الشک على المرأة أيضاً.طبعاً لا يوجد ولا رواية واحدة تذکر الدخول، بل الموجود هو: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))(2)، والولد المتولّد من سبق الماء ولد صحيح النسب بلا إشکال فالإرضاع من لبنه لابدّ أن يکون له نفس أثر لبن الولد المتولّد من الدخول طالما أنّ کليهما ولدٌ شرعي صحيح النسب.وثانياً: أنّ بعض الروايات جعلت المعيار في الولادة حيث قالت: ((امرأة درّ لبنها من غير ولادة…))(3)، ومفهومه أنّه إن کان من الولادة فإنّه ينشر الحرمة، ولا يفرّق في الولادة بين الدخول وسبق الماء.إلاّ أنّه يمکن أن يشکل في هذا الاستدلال بإشکال مذکور في بحث المفاهيم، وهو أنّه هل يمکن الأخذ بإطلاق المفهوم کما يؤخذ بإطلاق المنطوق أو لا؟ فقولهم: (الغنم إن کانت سائمة فيها زکاة) هل مفهومه أنّه إذا لم تکن سائمة فليس فيها زکاة مطلقاً؟ أو مفهومه أنّه ليس فيها زکاة في الجملة ولعلّه يکون فيها زکاة من جهات أخرى؟فيمکن لأحد بناءاً على هذا الإشکال أن يقول في المقام بأنّه لا يمکن التمسک بإطلاق مفهوم ((من غير ولادة)) لاستفادة عدم شرطية الدخول، لأنّ هذا الإطلاق هو أوّل الکلام، إلاّ إذا أحرزنا أنَّ المتکلم في مقام بيان إطلاق المفهوم والمنطوق، وهذا فيما نحن فيه ليس ادّعاءاًَ سهلاً. وبعبارة أخرى: الروايات التي تقول: ((من غير ولادة)) أو: (من لبنک) ليست في مقام البيان من ناحية الدخول وسبق الماء. فإذا تمّ هذا الإشکال فإنّ دليلنا في المسألة ينحصر بإلغاء الخصوصية، وهو دليل جيّد.استدلال لبعض المعاصرين في المقام وجوابهثم إنَّ بعض المعاصرين استدل على کفاية سبق الماء بمضمون روايتين تقولان بأنّ شيخاً کبيراً تزوّج جارية ولم يقدر أن يدخل بها ولکنه کان يريق ماءه على فم فرجها فحملت وهي ما تزال بکراً فقضى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ بأنّ الولد له(4).وإشکالنا على هذا الاستدلال هو أنَّه لا علاقة لهذا المضمون بمحلّ البحث، لأنَّ هاتين الروايتين ليستا ناظرتين إلى بحث الرضاع، وأقصى ما تدلاّن عليه هو شرعية الولد، ولعله يشترط في الرضاع الدخول.نعم، لا يتمّ الاستدلال بهما إلاّ بإلغاء الخصوصية، فيرجع إلى الوجه الأوّل الذي ذکرناه.حکم لبن ولد الشبهةلو وطئت المرأة شبهة فحملت وأنجبت ولداً فهل ينشر لبنه الحرمة أو لا؟ والشبهة أحياناً تکون في الموضوع الخارجي، کأن يطأ امرأة أجنبية بتخيل أنّها زوجته؛ وأخرى في الحکم، کما لو لم يکن يعلم بعدم جواز النکاح في العدّة، أو عدم جواز الزواج من الأخت الرضاعية.الأقوال في المسألةالمشهور والمعروف هو إلحاق لبن ولد الشبهة بلبن ولد النکاح الصحيح من حيث نشر الحرمة، وقد خالف جماعة في ذلک.ذکر في (الجواهر) بأنّ الإلحاق هو الصحيح (وفاقاً للأکثر، بل لم نجد فيه خلافاً محققاً، فإنَّ ظاهر المحکي عن الحلّي التردد)(5) والحلّي هو ابن إدريس عليه الرحمة.وأمّا النراقي ـ قدس سره ـ فإنه يعنون البحث أوّلاً بأنه: (هل تُنشر الحرمة باللبن الحاصل من وطء الشبهة أم لا؟) ثم يقول: (وعن الحلّي التردد فيه. ويظهر نوع ميل إليه) أي إلى عدم النشر بلبن ولد الشبهة، (في المسالک والکفاية)(6).قال في (السرائر): (وإن قلنا في وطء الشبهة بالتحريم کان قويّاً، لأنّ نسبه عندنا نسب صحيح، والرسول  ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))(7)، فجعله أصلاً للرضاع، ولي في ذلک نظرٌ وتأمل)(8).وهذه العبارة بما فيها من تردد عجيبة واقعاً. ويمکن توجيهها بأنّه ـ قدس سره ـ قد أعاد النظر في المسألة عدّة مرّات وفي أيامٍ متعدّدة وکان کل مرّة يضيف عبارة فيها إلى أن انتهى إلى التردد.والحق هو الإلحاق، والأدلة على ذلک عديدة:الدليل الأوّل: الاستقراء، حيث إنّ تمام أحکام الولد الحلال تترتب على ولد الشبهة، وليس هناک ـ في تمام الفقه ـ حکمٌ يختص به الولد الحلال دون ولد الشبهة، فتشمله أحکام الإرث والمحرّمية والولاية والحضانة…، ومعه يکون لبنه محرّماً کلبنه. وإذا قلتم بأنَّ هذا استقراء وهو لا يفيد العلم، فإنّا نقول بأنّه يمکننا أنّ نلغي الخصوصية عرفاً بينهما.الدليل الثاني: الإطلاقات، ففي بعض الروايات عُبِّر بـ ((ولدک))، وبـ ((من غير ولادة))، وبأنّه ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))، وکلّ ذلک يشمل ولد الشبهة. إلاّ أن يشکل بأنّ ولد الشبهة فرد نادر فلا تشمله الإطلاقات، فنکتفي حينئذٍ بالدليل الأوّل.الدليل الثالث:وهو دليل عجيب في رأيي، طرحه بدايةً في (الجواهر) وتبعه عليه بعض المعاصرين، وهو يتألف من صغرى وکبرى.الصغرى: أن نکاح أهل الکتاب عموماً نکاح شبهة، فأولادهم أولاد شبهة.الکبرى: أنّ أحکام الرضاع تشملهم بلا إشکال بحسب نظرنا بحيث لو حصل الرضاع حال الکفر ثم أسلموا فإنّه يحکم بالمحرّمية بينهم.والنتيجة هي أنّه لابدّ من قبول کون لبن الشبهة محرّماً. وهذا ليس فرداً نادراً حتى يدّعى عدم شمول الإطلاقات له.وجوابه:أوّلاً: أنّه قد ورد بأنّه لکل قومٍ نکاح، ومعناه بأنّ الشارع المقدّس قد أمضى نکاح کل الأقوام؛ فلا يکون نکاحهم نکاح شبهة.وثانياً: لماذا نکاحهم باطل؟ إنّ النکاح ـ بخلاف الطلاق ـ لا يحتاج إلاّ إلى إنشاء، وهم ينشئون النکاح إمّا لفظاً أو کتابة، فلماذا يحکم بفساد نکاحهم؟ هل لأن العربية شرط؟ نحن نقول بشرطيتها وکذا بعدم الاکتفاء بالکتابة من باب الاحتياط لا غير إذن فنکاحهم صحيح وممضي شرعاً.وصلّى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطاهرين _______________________(1) الوسائل 8: 216، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب10.(2) الوسائل 20: 371، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب1، ح1.(3) الوسائل 20: 398 ـ 399، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب 9، ح1 و2.(4) الوسائل 21: 378، أبواب أحکام الأولاد، ب 16، ح1 و2.(5) الجواهر 29: 266.(6) المستند 16: 232.(7) الوسائل 20: 371، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب1، ح1.(8) السرائر 2: 552.

المؤلف:

199-شرائط الرضاع المحرِّم

199-شرائط الرضاع المحرِّم

ذکرنا في آخر الدرس السابق أنّ تفصيل المسألة يشتمل على ست صور، وبقي علينا بعد أن بيّناها أن نذکر حکم کل منها، فنقول ومن الله التوفيق:حکم اللبن الدّار بنفسهأمّا الصورة الأولى فإنّها القدر المتيقن من عدم النشر في الروايات عند الشيعة، بخلافه عند السنّة.حکم لبن ولد الزناوأمّا الصورة الثانية فقد ادّعى فيها صاحب (الجواهر) ـ قدس سره ـ الإجماع بقسميه على عدم حصول الحرمة(1).وقال النراقي ـ قدس سره ـ في (المستند): (فلا يحصل الرضاع المحرّم للنکاح باللبن الحادث من الزنا، إجماعاً محققاً، ومحکيّاً في (السرائر) و(التذکرة) وشرحي (القواعد) للمحقق الثاني والهندي وشرح (النافع) للسيّد و (المفاتيح) وشرحه، وظاهر (المسالک) و (الکفاية) وغير ذلک)(2) والمقصود بشرح (النافع) کتاب (رياض المسائل)، وصاحب (المفاتيح) هو الفيض الکاشاني قدس سره. ويعلم ممّا ذکره النراقي ـ قدس سره ـ أنّ عدم حصول المحرّمية بلبن الزنا مسلّم.إلاّ أنّه مع کل هذا الإجماع خالف أحد الشيعة، ولم يعتنوا بمخالفته، وهو ابن الجنيد الأسکافي رحمه الله، حيث نقل عنه في (الجواهر) قوله: (إنّها لو أرضعت بلبن حمل من زنا حرمت وأهلها على المرتضع، وکان تجنبه أهل الزاني أحوط وأولى)(3) وأهل الزاني يشمل نفس الزاني بحسب الظاهر.وقوله ـ رحمه الله ـ  بهذا الفرق عجيب واقعاً.الأدلّةذکر للقول بعدم نشر الحرمة بلبن الزنا عدّة أدلة، هي:الدليل الأوّل: أصالة عدم الحرمة.وفيه: أنّ قاعدة ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))(4) تشمل المقام، وذلک لأنّ ابن الزنا يحرم نسباً ـ کما هو معروف ـ وتشمله تمام أحکام النسب إلاّ الإرث، فينبغي أن تشمله القاعدة تبعاً لذلک، ومع شمول القاعدة لا يمکن التمسک بالأصل، لأنّها دليل لفظي وهو أصل عملي، والدليل اللفظي مقدّم على الأصل العملي.الدليل الثاني: ـ وهو العمدة ـ رواية عن الصادق ـ عليه السلام ـ رواها في (المستدرک) عن (دعائم الإسلام)، فتکون مرسلة. قال: ((لبن الحرام لا يحرّم الحلال، ومثل ذلک امرأة أرضعت بلبن زوجها ثم أرضعت بلبن فجور، قال: ومن أرضع من فجور بلبن صبية، لم يحرّم من نکاحها، لأن اللبن الحرام لا يحرّم الحلال))(5).ودلالتها على عدم نشر الحرمة بلبن ولد الزنا صريحة، ولکنّها ضعيفة سنداً؛ إلاّ أن ضعف السند لا يضرّ لانجباره بعمل الأصحاب.الدليل الثالث: ما ذکره بعضهم من أنّ أدلة الحرمة منصرفة إلى اللبن الحاصل عن وطء شرعي، لأن الغالب ـ وخصوصاً في الزمان القديم ـ هو الولد الحلال، فإذا سلّمنا کون الغلبة موجبة للانصراف ـ ونحن نقول بذلک ـ فالانصراف في المقام صحيح.الدليل الرابع: التمسک بروايات لبن الفحل، بتقريب أنّ الفحل هو الزوج لا الزاني. وأيضاً التمسک بما ورد في بعض الروايات من قوله ـ عليه السلام ـ: (… من لبن امرأتک).وظاهر هذين التعبيرين ـ والثاني واضح جدّاً ـ کون الوطء شرعياً.ولکن إذا اعتقدنا أنّ تلک الروايات ناظرة إلى مسألة وحدة الفحل لا غير ـ کما مرّت الإشارة إليه ـ ولا علاقة لها ببقية الأمور والشرائط لأنها ليست في مقام البيان بلحاظها، فإنه لا يمکننا حينئذٍ أن نستفيد منها شرطية شرعية الوطء. إذن يتضح أنّ أهم الأدلة على عدم نشر الحرمة بلبن ولد الزنا هي رواية الدعائم المنجبرة بعمل الأصحاب.الاستدلال على مذهب ابن الجنيدوأمّا مذهب ابن الجنيد ـ رحمه الله ـ فلا وجه له إلاّ التمسّک بإطلاقات ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)).وهذه الإطلاقات مخصَّصة بما ذکرنا من أدلّة.نعم، ذکر بعضهم وجهاً آخر لکلام ابن الجنيد ـ رحمه الله ـ وهو أنّ الرضاع مسالة تکوينية، أي أن عملية الرضاع تسبب تغذّي الطفل من لبن المرأة ونموّ لحمه ودمه من لبنها، فکأنّه صار جزءاً منها، سواء کان اللبن حلالاً أو حراماً، فکيف يمکن أن يتزوّج منها؟! إذن فالرضاع أمر تکويني، وهو حاصل حتى لو کان اللبن من وطء محرّم.وهذا استحسان محض، وهو غير صحيح أيضاً، إذ إنّه منقوض في ثلاثة موارد على الأقل: الأوّل: إنّ الجميع متفقون على عدم نشر اللبن الذي يدرّ بنفسه للحرمة، مع أنّه جزء من المرأة فينبغي بحسب التوجيه المذکور أن ينشر الحرمة.الثاني: أنّه في صورة تعدد الفحل هناک أيضاً نمو للّحم والدم، ولکن المشهور يفتون بعدم نشر الحرمة، مع أنّه بحسب هذا التوجيه ينبغي أن لا يکون تعدد الفحل مضرّاً؛ وعلى فرض سلّمنا حرمة المرتضعين على المرضعة ولکن لماذا لا يحرمان على بعضهما؟الثالث: أنّ المشهور والمعروف هو أنّ الرضاع بعد السنتين لا ينشر الحرمة وإن طالت مدّة الرضاعة ما طالت ونبت لحمه إلى ما شاء الله.إذن ففي باب الرضاع إذا فرض مؤثريّة التکوين فليس هو إلاّ حکمة لا علّة، والحکمة لا يدور الحکم مدارها کما هو معلوم.وصلّى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطاهرين ___________________________(1) الجواهر 29: 265.(2) المستند 16: 231.(3) الجواهر 29: 266.(4) الوسائل 20: 371، أبواب ما يحرم بالرضاع، ب 1، ح1.(5) المستدرک 14: 373، أبواب ما يحرم من الرضاع، ب11، ح1.

المؤلف:

18-أحکام النظر

18-أحکام النظر

خلاصة الدرس السابقکان البحث في المسالة (17) من مسائل مقدمات النکاح وقد وصلنا الى أدلة جواز النظر الى الوجه والکفين، وفي هذا المجال استدللنا بقوله تعالى في الآية (31) من سورة النور {ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها}، وايضاً ذکرنا الى الآن خمس روايات تبين انها تدل بشکل جيد على ان المقصود من جملة ما ظهر منها هو الوجه والکفين. وهاهنا ثلاثة روايات اخرى، وهي من الروايات المرسلة الا انها يمکن ان تکون مؤيدة للروايات السابقة.الرواية السادسة: ما ورد في تفسير جوامع الجامع حيث يقول في ذيل الآية: (وعنهم عليهم السلام) أي عن الأئمة(ع) ومن هذا يعلم ان هذا المعنى نقل من احاديث متعددة (في تفسر ما ظهر منها انه الکفان والاصابع) وکأن استثناء الوجه من المسلمات، وما هو بحاجة الى البيان انما هو الکفان والاصابع.الرواية السابعة: وهي ايضاً رواية مرسلة، (عن المحاسن عن ابي عبد الله) ولابد من أن هناک واسطة کانت موجودة في هذا السند حيث ان احمد بن محمد صاحب المحاسن لم يدرک عصر الامام الصادق (ع)، وعلى هذا فالحديث مرسل (في قوله جل ثناؤه الا ما ظهر منها قال الوجه والذراعان) وهذه الرواية ايضاً يلاحظ انها تضيف الذراعان، ويقيناً اما هذا اشتباه من الراوي واما اشتباه من النساخ، لأنه لم يقل احد لا من علماء الشيعة ولا من علماء السنة بجواز ابداء الذراعين، ويحتمل ان الجملة کانت (قال الوجه والکفان) فوقع الاشتباه فيها. وعلى أي حال (الذراعان) غير صحيح القول بجواز ابدائهما، لکن (الوجه) مؤيد جيد لمحل بحثنا.وهذه الرواية وردت في مستدرک الوسائل ـ الجزء (14) ـ الحديث الاول من الباب 85 من ابواب مقدمات النکاح.الرواية الثامنة: الحديث رقم 2 من الباب 85 من ابواب مقدمات النکاح من مستدرک الوسائل، (وعنه) يعني عن الامام الصادق (ع) (في قوله عز وجل الا ما ظهر منها قال: الزينة الظاهرة الکحل والخاتم) ونرى انه (ع) فسر الزينة الظاهرة بالکحل والخاتم والکحل ملازم مع الوجه، والخاتم ملازم مع الکف.حسناً، هذه احاديث ثمانية، بعضها لنا سند وبعضها فاقد للسند، لکنها من حيث المجموع متظافرة، وهي تؤيد بعضها البعض سنداً ودلالة، يعني ان اضفنا بعضها الى بعض يمکننا ان نقول انه ان کان هناک ابهام في الآية الشريفة (إلا ما ظهر منها) ـ وعندنا لم يکن فيها ابهام لأنها ظاهرة وقدرها المتيقن هو الوجه والکفان ـ فبوسيلة هذه الروايات يکشف الغطاء عن الآية الشريفة ويعلم ان المقصود منها هو الوجه والکفان.إضافة نکتة في الاستدلال بالقرآن الکريم على جواز النظر الى الوجه والکفينثم اني هنا أتعرض مجدداً لبحث الامس لأني اريد ان ابين لکم نکتة جديدة في الاستدلال بالقرآن الکريم فأقول:ان قلت: ان غاية ما يستفاد من الآية الشريفة والروايات المفسرة لها هو عدم وجوب ستر الوجه والکفين، يعني انه يجوز الابداء، وجواز الابداء ليس دليلاً على جواز النظر، فيمکن ان يجيز الله سبحانه للمرأة ان لا تستر وجهها وکفيها لأجل التسهيل عليها حيث ان هناک مشاکل کثيرة تتعرض لها المرأة فيما لو غطت وجهها وکفيها بشکل دائم لکن مع ذلک لا يجيز للرجل النظر اليها.قلنا: صحيح انه هنا لا يوجد ملازمة عقلية لکن يوجد ملازمة عرفية بين عدم وجوب الستر وجواز النظر.سؤال: يسأل الأخ عن حکم الرجال؟الجواب: نصل ان شاء الله الى حکم الرجال وهناک نتعرض الى نفس هذا البحث ونفس هذه الملازمة العرفية، حيث نبحث هناک في انه ان کان يجوز للرجل عدم ستر مقدار معين من بدنه فهل يجوز للمرأة ان تنظر الى ذاک المقدار أو لا؟ والحکم هناک ليس أوضح منه هنا حتى نستدل به في المقام.واما النکتة التي قلت اني اريد ان اضيفها اليوم فهي تتعلق باستفادة جواز النظر من عدم وجوب الستر وذلک بالرجوع الى الآية الشريفة {ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن} التي تبين حکم الزينة الباطنة، حيث نسأل عن دور اللام في جملة (الا لبعولتهن) فما معنى ان تظهر المرأة زينتها لبعلها أو ابيها؟ المعنى هو: تظهرها له لکي ينظر اليها، کما يقال: اظهر هذا الکتاب لفلان، حيث ان المفهوم حينئذ هو اظهاره له لکي ينظر اليه، فاللام هنا تتضمن اجازة النظر. فدور اللام هنا هو تجويز النظر، وکلما قيل: اظهر هذا الشي لفلان يکون المقصود هو اعطاء الاجازة لفلان لکي ينظر اليه. وحينئذ نقول: إذا کانت الجملة الثانية في الآية تتضمن تجويز النظر الا تکون الجملة الأولى بحکم السياق والتقارب ايضاً کذلک؟ قطعاً هي کذلک، فهاتان الجملتان ليستا منفصلتين. وبعبارة اخرى: في الجملة الثانية ذکر المتعلق بخلافه في الجملة الأولى، ففي الآية الأولى يقول سبحانه {لايبدين زينتهن الا ما ظهر منها} لکنه سبحانه لا يقول لمن، فلابد ان المعنى عام أي لجميع الناس وللأجانب کلهم، اذن تقدير الآية هو (ولايبدين زينتهن الا ما ظهر منها للناس جميعاً)، فأي معنى کانت تتضمنه آية {الا لبعولتهن أو آبائهن} فان آية {الا ما ظهر منها} تتضمنه ايضاً.والخلاصة هي ان الجملة الثانية تدل على جواز النظر بالدلالة اللفظية لا الالتزامية، فنحن استفدنا جواز النظر من {لبعولتهن} بدلالة لفظية لا بالالتزام العرفي، فيستفاد من الجملة الاولى نفس المعنى بقرينة التقارن واتحاد السياق.وعلى هذا نکون قد استطعنا ان نستفيد جواز النظر الى الوجه والکفين من الآية الشريفة مع کل هذا التعب الذي لاقيناه عند البحث في الآيات والروايات. وکما ذکرنا فان الجملة الثانية من الآية تکون دليلاً قرآنياً ثانياً على جواز النظر.الاستدلال بفقرة جديدة من آية سورة النوروهناک فقرة اخرى من آية سورة النور هي {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} فما هو معنى الخمار وما هو معنى الجيب؟ الخمار في اللغة هو ما يستر شيئاً، وبمناسبة هذا المعنى يقال الخمر لأنه يستر ويغطي عقل الانسان، لکنه عرفاً بمعنى ما يستر راس المرأة حيث فسروه بما يستر رأس المرأة کالمقنعة.واما الجيب فهو بمعنى طرف القميص الأعلى المحيط بالرقبة، وبما ان هذا الطرف من القميص يقع على الصدر يقال لأعلى الصدر حينئذ جيب بسبب التقارن.والآية تقول {ليضربن بخمرهن...} فما هو معنى ضرب الخمار على الجيب؟المحقق الطبرسي في مجمع البيان في ذيل هذه الآية الشريفة يقول: ان في ذلک اشارة الى الوضع الذي کانت عليه السناء في زمان الجاهلية وصدر الاسلام حيث کن يرمين طرف الخمار وراء روؤسهن، طرفه الايمن من الجهة اليمنى وطرفه الأيسر من الجهة اليسرى، بالنتيجة کان يظهر النحر وقسم من الصدر والأذنين والحلق فيهما.وهذا هو الحجاب السيء لنساء الجاهلية فقد کان عندهن خمار الا انه کأنه لم يکن حيث کن يرمينه وراء روؤسهن، وأتى القرآن وقال ان يرمين طرفي الخمار على صدورهن، طرفه الايسر الى الجهة اليمنى وطرفه الايمن الى الجهة اليسرى وبذلک يستر النحر والصدر {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}. وعلى هذا فقد فهمنا معنى الخمار ومعنى الجيب ومعنى ضرب الخمار على الجيب، والآن انقل لکم عبارة مجمع البيان حيث انها عبارة جيدة ومفيدة، يقول (قده) في تفسير الخمار (وهو غطاء رأس المرأة المنسدل على جيبها، أمرن بالقاء المقانع على صدورهن تغطية لنحورهن، فقد قيل انهن کن يلقين مقانعهن على ظهورهن فتبدو صدورهن، وکني عن الصدور بالجيوب لأنها ملبوسة عليها).ونحن نقول انه من هذا المقطع من الآية يستفاد عدم لزوم ستر الوجه، اذ لو کان ستره واجباً لکان ينبغي ان يقال {وليضربن بخمرهن على وجوههن وجيوبهن} لا {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} فقط، فعندما کن يرمين الخمار وراء روؤسهن کان الوجه أول شيء يبدو ثم الصدر، وهذا يدل على انه حينما أمرن بالقاء الخمار على الجيوب أمرن بستر النحر والصدر لا الوجه، اذ لو کان ستر الوجه لازماً لکان ينبغي ان يقال (على وجوههن وجيوبهن) لا ان يقال فقط (على جيوبهن).فهذه الآية تدل بصراحة على عدم وجوب ستر الوجه، واذا لم يکن ستر الوجه واجباً يمکننا بالملازمة العرفية ان نستفيد جواز النظر.بل اقول اکثر من هذا: الخمار بالاصل شيء يدل على ان الوجه يکون منکشفاً، اذ الخمار غير النقاب حيث فسروه بأنه (ما تستر به المرأة راسها) لا (وجهها).فيعلم من هذا انه من غير اللازم ستر شيء أکثر مما يستره الخمار.وکما تلاحظون يمکننا من أطراف الآية ان نجد نکات تکون مقنعة لنا أکثر من الروايات اذن يمکن ان نستفيد عدم وجوب ستر الوجه من جهات مختلفة من الآية 31 من سورة النور، مضافاً الى الروايات التي ذکرناها مؤيدة لها، فتکون المسألة تامة من جهة الاستدلال بالآيات، الا ان البعض حاول ايجاد آيات معارضة لهذه الآية، وهذه نتعرض لها عند بيان ادلة القائلين بوجوب الستر ونجيب عنها ان شاء الله. وما يهمنا فعلاً ان هاتين الفقرتين من الآية 31 تدلان بوضوح على عدم وجوب الستر.سئوال: يسأل الأخ عن حکم التزيينات التي تکون في الوجه؟الجواب: التزيينات تکون بشکلين: شکل يکون بحد متعارف مثل الکحل في العين، ومثل دهن الوجه بمقدار عادي، فهذا المقدار لا يمکن القول بأنه ممنوع.وشکل ثانٍ تزيينات غير عادية أي التزين والتبرج بما يمکن التبرج به، وهذا قطعاً يکون منشئاً لمفاسد کثيرة، ومن المسلم به انه لا يمکن استفادة جوازه من الآية، مضافاً الى دخوله في باب التلذذ والريبة. فحتماً هذا القسم فيه اشکال.الدليل الثالث: السنة.وفي مقام الاستدلال بالروايات فاننا نذکر روايات لا ربط لها بتفسير الآية الشريفة کالروايات السابقة، وهي تدل أما بالمطابقة والصراحة واما بالالتزام على استثناء الوجه والکفين من وجوب الستر، وهي على عدة طوائف، ونحن اليوم نذکر الطائفة الأولى منها التي تصرح باستثناء الوجه والکفين وتدل بالمطابقة على ذلک لا بالالتزام، وهي عدة روايات.الرواية الأولى: الحديث 2 من الباب 109 من ابواب مقدمات النکاح من الوسائل عن مروک بن عبيد عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (ع) قال: (قلت له: ما يحل للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يکن محرماً) والسؤال کما هو واضح عن حکم النظر لا عن الحجاب، الا انه عين البحث في مقامنا (قال: الوجه والکفان والقدمان).ومعنى القدمين هو ظاهرهما وباطنهما، وبالنسبة للقدمين نحن عندنا بحث نبحثه في آخر هذه المسألة، وهو أنه واقعاً هل ينبغي استنثاء القدمين ايضاً من وجوب الستر عن غير المحارم، فکما انهما تستثنيان في حال الصلاة تستثنيان ايضاً في غير حال الصلاة؟ وعلى هذا فالمرأة التي تلبس سروالاً طويلاً يصل الى ظاهر القدم ولکنها لا تلبس الجوراب فيظهر بذلک ظهر قدماها وباطنهما، فهل ان في ذلک اشکال؟ وهذا بحث عام وجامع ينبغي التعرض له. أو انه هل کان في صدر الاسلام شيء باسم الجوراب، او هل کان الجميع يملکون احذية، أو أن کثيراً من الناس کانوا يمشون حفاة، لا يملکون لا احذية ولا جواريب، ولعل نفس النبي (ص) ايضاً نتيجة الفقر والحاجة في ذلک المحيط کان في بعض الاوقات يساوي نفسه بالآخرين ويمشي معهم حافي القدمين، النساء ماذا کن يفعلن؟ هل کن يلبسن الأحذية أو الجواريب؟وهذه کلها مسائل يمکن ان نجد حلها في زوايا وأطراف الروايات، وفعلاً نحن لن نبحث في مسألة القدمين کما ذکرنا.واما هذه الرواية فهي من حيث الدلالة جيدة وصريحة بالنسبة للوجه والکفين، وأما من حيث السند فرجال السند لا اشکال فيهم سوى ان ورود (عن بعض اصحابنا) أوجب الارسال في الحديث، فأحمد بن محمد بن عيسى وقبله محمد بن يحيى هما من العظماء، واما مروک فان اسمه الأصلي هو صالح لا مروک، أي صالح بن عبيد، والمرحوم الکشي (ره) الذي هو من کبار علماء الرجال ينقل عن ابن فضال انه بالنسبة لصالح بن عبيد هذا کان يقول: ثقة شيخ صدوق. وله في کتبنا حدود 33 رواية في مجموع الفقه، فهو نسبة قليل الرواية. اذن رجال السند کلهم ثقاة، تبقى مشکلة عن بعض اصحابنا حيث انها توجب الارسال في الرواية، ولولا ذلک لکانت هذه الرواية خير دليل لنا فيما يأتي عند البحث عن حکم القدمين، الا انها بهذا المقدار تصلح مؤيداً في مقامنا.الرواية الثانية: الحديث 3 من الباب الأول من ابواب النکاح المحرم من الوسائل.والروايات متظافرة في هذا المجال، ولذا فنحن لا نهتم کثيراً حينئذ ببحث السند، لأنه من حيث المجموع تشکل الروايات دليلاً جيداً. عن علي بن سويد قال: (قلت لأبي الحسن(ع)) أي الامام الکاظم(ع) حيث ان علي بن سويد کان من اصحابه(ع) (اني مبتلى بالنظر الى المرأة الجميلة) أتصور ان ابتلاءه بذلک کان بسبب شغله، وکثير مثله عندهم نفس المشکلة، کالتجار وبائعي الذهب او الملابس او الزينة وما الى ذلک، حيث ان اکثر مراجعيهم هم من النساء، ومنهم المتدينون ولهم نفس شکوى علي بن سويد، ومن کلمة مبتلى يستفاد انه غير مرتاح لذلک ويسأل عن الحل من الامام (ع) (فيعجبني النظر اليها) يعني حينما تقع عيني عليها اراها جميلة وبحسب طبيعتي البشرية ومن غير ان اقصد يمکن ان التذ بالنظر اليها، بعبارة اخرى: من حيث المجموع يستفاد: اني غير مرتاح لهذا الوضع الا اني مبتلى بذلک نتيجة عملي، وليس عندي أي قصد للنظر بتلذذ وريبة وليست نيتي نية سوء، وهذا المعنى يستفاد بقرينة ذيل الرواية (فقال: يا علي، لا باس إذا عرف الله من نيتک الصدق) يعني إذا عرف الله سبحانه ان نيتک صادقة في النظر، وانک تنظر لا عن سوء نية وغرض، وأنت مضطر لذلک باعتبار عملک، وليس عندک أي قصد للريبة والتلذذ فلا اشکال حينئذ.وهذه الرواية دليل جيد بالنسبة لحکم الوجه.وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين. 

المؤلف:

17-أحکام النظر

17-أحکام النظر

خلاصة الدرس السابقکان البحث في المسالة (17) من مسائل مقدمات النکاح وقد وصلنا الى أدلة جواز النظر الى الوجه والکفين، وفي هذا المجال استدللنا بقوله تعالى في الآية (31) من سورة النور {ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها}، وايضاً ذکرنا الى الآن خمس روايات تبين انها تدل بشکل جيد على ان المقصود من جملة ما ظهر منها هو الوجه والکفين. وهاهنا ثلاثة روايات اخرى، وهي من الروايات المرسلة الا انها يمکن ان تکون مؤيدة للروايات السابقة.الرواية السادسة: ما ورد في تفسير جوامع الجامع حيث يقول في ذيل الآية: (وعنهم عليهم السلام) أي عن الأئمة(ع) ومن هذا يعلم ان هذا المعنى نقل من احاديث متعددة (في تفسر ما ظهر منها انه الکفان والاصابع) وکأن استثناء الوجه من المسلمات، وما هو بحاجة الى البيان انما هو الکفان والاصابع.الرواية السابعة: وهي ايضاً رواية مرسلة، (عن المحاسن عن ابي عبد الله) ولابد من أن هناک واسطة کانت موجودة في هذا السند حيث ان احمد بن محمد صاحب المحاسن لم يدرک عصر الامام الصادق (ع)، وعلى هذا فالحديث مرسل (في قوله جل ثناؤه الا ما ظهر منها قال الوجه والذراعان) وهذه الرواية ايضاً يلاحظ انها تضيف الذراعان، ويقيناً اما هذا اشتباه من الراوي واما اشتباه من النساخ، لأنه لم يقل احد لا من علماء الشيعة ولا من علماء السنة بجواز ابداء الذراعين، ويحتمل ان الجملة کانت (قال الوجه والکفان) فوقع الاشتباه فيها. وعلى أي حال (الذراعان) غير صحيح القول بجواز ابدائهما، لکن (الوجه) مؤيد جيد لمحل بحثنا.وهذه الرواية وردت في مستدرک الوسائل ـ الجزء (14) ـ الحديث الاول من الباب 85 من ابواب مقدمات النکاح.الرواية الثامنة: الحديث رقم 2 من الباب 85 من ابواب مقدمات النکاح من مستدرک الوسائل، (وعنه) يعني عن الامام الصادق (ع) (في قوله عز وجل الا ما ظهر منها قال: الزينة الظاهرة الکحل والخاتم) ونرى انه (ع) فسر الزينة الظاهرة بالکحل والخاتم والکحل ملازم مع الوجه، والخاتم ملازم مع الکف.حسناً، هذه احاديث ثمانية، بعضها لنا سند وبعضها فاقد للسند، لکنها من حيث المجموع متظافرة، وهي تؤيد بعضها البعض سنداً ودلالة، يعني ان اضفنا بعضها الى بعض يمکننا ان نقول انه ان کان هناک ابهام في الآية الشريفة (إلا ما ظهر منها) ـ وعندنا لم يکن فيها ابهام لأنها ظاهرة وقدرها المتيقن هو الوجه والکفان ـ فبوسيلة هذه الروايات يکشف الغطاء عن الآية الشريفة ويعلم ان المقصود منها هو الوجه والکفان.إضافة نکتة في الاستدلال بالقرآن الکريم على جواز النظر الى الوجه والکفينثم اني هنا أتعرض مجدداً لبحث الامس لأني اريد ان ابين لکم نکتة جديدة في الاستدلال بالقرآن الکريم فأقول:ان قلت: ان غاية ما يستفاد من الآية الشريفة والروايات المفسرة لها هو عدم وجوب ستر الوجه والکفين، يعني انه يجوز الابداء، وجواز الابداء ليس دليلاً على جواز النظر، فيمکن ان يجيز الله سبحانه للمرأة ان لا تستر وجهها وکفيها لأجل التسهيل عليها حيث ان هناک مشاکل کثيرة تتعرض لها المرأة فيما لو غطت وجهها وکفيها بشکل دائم لکن مع ذلک لا يجيز للرجل النظر اليها.قلنا: صحيح انه هنا لا يوجد ملازمة عقلية لکن يوجد ملازمة عرفية بين عدم وجوب الستر وجواز النظر.سؤال: يسأل الأخ عن حکم الرجال؟الجواب: نصل ان شاء الله الى حکم الرجال وهناک نتعرض الى نفس هذا البحث ونفس هذه الملازمة العرفية، حيث نبحث هناک في انه ان کان يجوز للرجل عدم ستر مقدار معين من بدنه فهل يجوز للمرأة ان تنظر الى ذاک المقدار أو لا؟ والحکم هناک ليس أوضح منه هنا حتى نستدل به في المقام.واما النکتة التي قلت اني اريد ان اضيفها اليوم فهي تتعلق باستفادة جواز النظر من عدم وجوب الستر وذلک بالرجوع الى الآية الشريفة {ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن} التي تبين حکم الزينة الباطنة، حيث نسأل عن دور اللام في جملة (الا لبعولتهن) فما معنى ان تظهر المرأة زينتها لبعلها أو ابيها؟ المعنى هو: تظهرها له لکي ينظر اليها، کما يقال: اظهر هذا الکتاب لفلان، حيث ان المفهوم حينئذ هو اظهاره له لکي ينظر اليه، فاللام هنا تتضمن اجازة النظر. فدور اللام هنا هو تجويز النظر، وکلما قيل: اظهر هذا الشي لفلان يکون المقصود هو اعطاء الاجازة لفلان لکي ينظر اليه. وحينئذ نقول: إذا کانت الجملة الثانية في الآية تتضمن تجويز النظر الا تکون الجملة الأولى بحکم السياق والتقارب ايضاً کذلک؟ قطعاً هي کذلک، فهاتان الجملتان ليستا منفصلتين. وبعبارة اخرى: في الجملة الثانية ذکر المتعلق بخلافه في الجملة الأولى، ففي الآية الأولى يقول سبحانه {لايبدين زينتهن الا ما ظهر منها} لکنه سبحانه لا يقول لمن، فلابد ان المعنى عام أي لجميع الناس وللأجانب کلهم، اذن تقدير الآية هو (ولايبدين زينتهن الا ما ظهر منها للناس جميعاً)، فأي معنى کانت تتضمنه آية {الا لبعولتهن أو آبائهن} فان آية {الا ما ظهر منها} تتضمنه ايضاً.والخلاصة هي ان الجملة الثانية تدل على جواز النظر بالدلالة اللفظية لا الالتزامية، فنحن استفدنا جواز النظر من {لبعولتهن} بدلالة لفظية لا بالالتزام العرفي، فيستفاد من الجملة الاولى نفس المعنى بقرينة التقارن واتحاد السياق.وعلى هذا نکون قد استطعنا ان نستفيد جواز النظر الى الوجه والکفين من الآية الشريفة مع کل هذا التعب الذي لاقيناه عند البحث في الآيات والروايات. وکما ذکرنا فان الجملة الثانية من الآية تکون دليلاً قرآنياً ثانياً على جواز النظر.الاستدلال بفقرة جديدة من آية سورة النوروهناک فقرة اخرى من آية سورة النور هي {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} فما هو معنى الخمار وما هو معنى الجيب؟ الخمار في اللغة هو ما يستر شيئاً، وبمناسبة هذا المعنى يقال الخمر لأنه يستر ويغطي عقل الانسان، لکنه عرفاً بمعنى ما يستر راس المرأة حيث فسروه بما يستر رأس المرأة کالمقنعة.واما الجيب فهو بمعنى طرف القميص الأعلى المحيط بالرقبة، وبما ان هذا الطرف من القميص يقع على الصدر يقال لأعلى الصدر حينئذ جيب بسبب التقارن.والآية تقول {ليضربن بخمرهن...} فما هو معنى ضرب الخمار على الجيب؟المحقق الطبرسي في مجمع البيان في ذيل هذه الآية الشريفة يقول: ان في ذلک اشارة الى الوضع الذي کانت عليه السناء في زمان الجاهلية وصدر الاسلام حيث کن يرمين طرف الخمار وراء روؤسهن، طرفه الايمن من الجهة اليمنى وطرفه الأيسر من الجهة اليسرى، بالنتيجة کان يظهر النحر وقسم من الصدر والأذنين والحلق فيهما.وهذا هو الحجاب السيء لنساء الجاهلية فقد کان عندهن خمار الا انه کأنه لم يکن حيث کن يرمينه وراء روؤسهن، وأتى القرآن وقال ان يرمين طرفي الخمار على صدورهن، طرفه الايسر الى الجهة اليمنى وطرفه الايمن الى الجهة اليسرى وبذلک يستر النحر والصدر {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}. وعلى هذا فقد فهمنا معنى الخمار ومعنى الجيب ومعنى ضرب الخمار على الجيب، والآن انقل لکم عبارة مجمع البيان حيث انها عبارة جيدة ومفيدة، يقول (قده) في تفسير الخمار (وهو غطاء رأس المرأة المنسدل على جيبها، أمرن بالقاء المقانع على صدورهن تغطية لنحورهن، فقد قيل انهن کن يلقين مقانعهن على ظهورهن فتبدو صدورهن، وکني عن الصدور بالجيوب لأنها ملبوسة عليها).ونحن نقول انه من هذا المقطع من الآية يستفاد عدم لزوم ستر الوجه، اذ لو کان ستره واجباً لکان ينبغي ان يقال {وليضربن بخمرهن على وجوههن وجيوبهن} لا {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} فقط، فعندما کن يرمين الخمار وراء روؤسهن کان الوجه أول شيء يبدو ثم الصدر، وهذا يدل على انه حينما أمرن بالقاء الخمار على الجيوب أمرن بستر النحر والصدر لا الوجه، اذ لو کان ستر الوجه لازماً لکان ينبغي ان يقال (على وجوههن وجيوبهن) لا ان يقال فقط (على جيوبهن).فهذه الآية تدل بصراحة على عدم وجوب ستر الوجه، واذا لم يکن ستر الوجه واجباً يمکننا بالملازمة العرفية ان نستفيد جواز النظر.بل اقول اکثر من هذا: الخمار بالاصل شيء يدل على ان الوجه يکون منکشفاً، اذ الخمار غير النقاب حيث فسروه بأنه (ما تستر به المرأة راسها) لا (وجهها).فيعلم من هذا انه من غير اللازم ستر شيء أکثر مما يستره الخمار.وکما تلاحظون يمکننا من أطراف الآية ان نجد نکات تکون مقنعة لنا أکثر من الروايات اذن يمکن ان نستفيد عدم وجوب ستر الوجه من جهات مختلفة من الآية 31 من سورة النور، مضافاً الى الروايات التي ذکرناها مؤيدة لها، فتکون المسألة تامة من جهة الاستدلال بالآيات، الا ان البعض حاول ايجاد آيات معارضة لهذه الآية، وهذه نتعرض لها عند بيان ادلة القائلين بوجوب الستر ونجيب عنها ان شاء الله. وما يهمنا فعلاً ان هاتين الفقرتين من الآية 31 تدلان بوضوح على عدم وجوب الستر.سئوال: يسأل الأخ عن حکم التزيينات التي تکون في الوجه؟الجواب: التزيينات تکون بشکلين: شکل يکون بحد متعارف مثل الکحل في العين، ومثل دهن الوجه بمقدار عادي، فهذا المقدار لا يمکن القول بأنه ممنوع.وشکل ثانٍ تزيينات غير عادية أي التزين والتبرج بما يمکن التبرج به، وهذا قطعاً يکون منشئاً لمفاسد کثيرة، ومن المسلم به انه لا يمکن استفادة جوازه من الآية، مضافاً الى دخوله في باب التلذذ والريبة. فحتماً هذا القسم فيه اشکال.الدليل الثالث: السنة.وفي مقام الاستدلال بالروايات فاننا نذکر روايات لا ربط لها بتفسير الآية الشريفة کالروايات السابقة، وهي تدل أما بالمطابقة والصراحة واما بالالتزام على استثناء الوجه والکفين من وجوب الستر، وهي على عدة طوائف، ونحن اليوم نذکر الطائفة الأولى منها التي تصرح باستثناء الوجه والکفين وتدل بالمطابقة على ذلک لا بالالتزام، وهي عدة روايات.الرواية الأولى: الحديث 2 من الباب 109 من ابواب مقدمات النکاح من الوسائل عن مروک بن عبيد عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (ع) قال: (قلت له: ما يحل للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يکن محرماً) والسؤال کما هو واضح عن حکم النظر لا عن الحجاب، الا انه عين البحث في مقامنا (قال: الوجه والکفان والقدمان).ومعنى القدمين هو ظاهرهما وباطنهما، وبالنسبة للقدمين نحن عندنا بحث نبحثه في آخر هذه المسألة، وهو أنه واقعاً هل ينبغي استنثاء القدمين ايضاً من وجوب الستر عن غير المحارم، فکما انهما تستثنيان في حال الصلاة تستثنيان ايضاً في غير حال الصلاة؟ وعلى هذا فالمرأة التي تلبس سروالاً طويلاً يصل الى ظاهر القدم ولکنها لا تلبس الجوراب فيظهر بذلک ظهر قدماها وباطنهما، فهل ان في ذلک اشکال؟ وهذا بحث عام وجامع ينبغي التعرض له. أو انه هل کان في صدر الاسلام شيء باسم الجوراب، او هل کان الجميع يملکون احذية، أو أن کثيراً من الناس کانوا يمشون حفاة، لا يملکون لا احذية ولا جواريب، ولعل نفس النبي (ص) ايضاً نتيجة الفقر والحاجة في ذلک المحيط کان في بعض الاوقات يساوي نفسه بالآخرين ويمشي معهم حافي القدمين، النساء ماذا کن يفعلن؟ هل کن يلبسن الأحذية أو الجواريب؟وهذه کلها مسائل يمکن ان نجد حلها في زوايا وأطراف الروايات، وفعلاً نحن لن نبحث في مسألة القدمين کما ذکرنا.واما هذه الرواية فهي من حيث الدلالة جيدة وصريحة بالنسبة للوجه والکفين، وأما من حيث السند فرجال السند لا اشکال فيهم سوى ان ورود (عن بعض اصحابنا) أوجب الارسال في الحديث، فأحمد بن محمد بن عيسى وقبله محمد بن يحيى هما من العظماء، واما مروک فان اسمه الأصلي هو صالح لا مروک، أي صالح بن عبيد، والمرحوم الکشي (ره) الذي هو من کبار علماء الرجال ينقل عن ابن فضال انه بالنسبة لصالح بن عبيد هذا کان يقول: ثقة شيخ صدوق. وله في کتبنا حدود 33 رواية في مجموع الفقه، فهو نسبة قليل الرواية. اذن رجال السند کلهم ثقاة، تبقى مشکلة عن بعض اصحابنا حيث انها توجب الارسال في الرواية، ولولا ذلک لکانت هذه الرواية خير دليل لنا فيما يأتي عند البحث عن حکم القدمين، الا انها بهذا المقدار تصلح مؤيداً في مقامنا.الرواية الثانية: الحديث 3 من الباب الأول من ابواب النکاح المحرم من الوسائل.والروايات متظافرة في هذا المجال، ولذا فنحن لا نهتم کثيراً حينئذ ببحث السند، لأنه من حيث المجموع تشکل الروايات دليلاً جيداً. عن علي بن سويد قال: (قلت لأبي الحسن(ع)) أي الامام الکاظم(ع) حيث ان علي بن سويد کان من اصحابه(ع) (اني مبتلى بالنظر الى المرأة الجميلة) أتصور ان ابتلاءه بذلک کان بسبب شغله، وکثير مثله عندهم نفس المشکلة، کالتجار وبائعي الذهب او الملابس او الزينة وما الى ذلک، حيث ان اکثر مراجعيهم هم من النساء، ومنهم المتدينون ولهم نفس شکوى علي بن سويد، ومن کلمة مبتلى يستفاد انه غير مرتاح لذلک ويسأل عن الحل من الامام (ع) (فيعجبني النظر اليها) يعني حينما تقع عيني عليها اراها جميلة وبحسب طبيعتي البشرية ومن غير ان اقصد يمکن ان التذ بالنظر اليها، بعبارة اخرى: من حيث المجموع يستفاد: اني غير مرتاح لهذا الوضع الا اني مبتلى بذلک نتيجة عملي، وليس عندي أي قصد للنظر بتلذذ وريبة وليست نيتي نية سوء، وهذا المعنى يستفاد بقرينة ذيل الرواية (فقال: يا علي، لا باس إذا عرف الله من نيتک الصدق) يعني إذا عرف الله سبحانه ان نيتک صادقة في النظر، وانک تنظر لا عن سوء نية وغرض، وأنت مضطر لذلک باعتبار عملک، وليس عندک أي قصد للريبة والتلذذ فلا اشکال حينئذ.وهذه الرواية دليل جيد بالنسبة لحکم الوجه.وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

المؤلف:

16-أحکام النظر

16-أحکام النظر

يقول الامام (قده) في تحرير الوسيلة: (لا إشکال في عدم جواز نظر الرجل الى ما عدا الوجه والکفين من المرأة الاجنبية من شعرها وساير جسدها سواء کان فيه تلذذ وريبة أم لا) فالنظر الى بدن الاجنبية ما عدا الوجه والکفين قد يکون بلذة وقد يکون بدونها، وقد يکون مع خوف الوقوع في الحرام وقد يکون بدونه، وعلى کل حال هو حرام (وکذا الوجه والکفان إذا کان بتلذذ وريبة) واما الوجه والکفان الى المعصم فاذا کان النظر اليهما مع تلذذ وريبة فلا يجوز قطعاً، فهاتان صورتان، بقيت الصورة التي هي محل ابتلاء وبحث شديد وهي: (وأما بدونهما) يعني النظر الى الوجه والکفين بدون تلذذ وريبة (ففيه قولان بل الأقوال) وهي ثلاثة اقوال (الجواز مطلقاً) والاطلاق في مقابل القول الثالث المفصل بين النظرة الاولى وما بعدها، فالقول الاول هو الجواز من غير فرق بين النظرة الأولى وما بعدها (وعدمه مطلقاً) أي لا يجوز مطلقاً من غير فرق ايضاً بين النظرة الأولى وما بعدها (والتفصيل بين نظرة واحدة فالأول) يعني يجوز مثل القول الأول (وتکرار النظر فالثاني) فالنظرة الثانية وما بعدها حکمها کالقول الثاني وهو عدم الجواز. والامام (قده) هنا لا يفتي بل يقول (وأحوط الاقوال أوسطها).اذاً خلاصة المسألة هي: النظر الى بدن الاجنبية ما عدا الوجه والکفين مطلقاً لا يجوز يعني بتلذذ کان أو بدونه، والنظر الى الوجه والکفين مع التلذذ والريبة لا يجوز مطلقاً، واما النظر الى الوجه والکفين بدون تلذذ وريبة ففيه ثلاثة اقوال:القول الأول: الجواز مطلقاً.القول الثاني: المنع مطلقاً.القول الثالث: التفصيل بين النظرة الأولى فيجوز والنظرات الثانية والثالثة وما بعدها فلا يجوز.والامام (قده) قال ان مقتضى الاحتياط هو عدم الجواز مطلقاً. وهنا لابد من ان أنبه على نکتة حتى لا يقع اشتباه في المباحث وهي ان البحث عن وجوب الحجاب ومقداره على المرأة أو عدم وجوبه يفترق عن البحث عن حکم النظر، فيمکن ان يقول احد انه لا يجب الستر بالنسبة للوجه والکفين وفي نفس الوقت يقول بعدم جواز النظر اليهما، ولو اننا فيما بعد سنستنبط جواز النظر اليهما من جواز ترک سترهما، وان کان هناک من يقول بعدم الملازمة في ذلک، وعلى هذا بحث الحجاب والستر نتعامل معه على انه منفصل عن بحث النظر حتى نرى في البحوث الآتية الى اية نتيجة سنصل.حسناً هذا هو عنوان المسألة في تحرير الوسيلة.بيان الأقوال في المسألة:والاقوال هي کما ذکره الامام (قده)، الا اني انقل لکم کلام بعض الفقهاء العظماء في هذا المجال لکي تتضح الأقوال الثلاثة اکثر.الشهيد الثاني (قده) في المسالک له کلام مفصل في هذه المسألة انقله لکم ملخصاً، يقول (قده) في المجلد الأول من المسالک ص 436 (تحريم نظر الرجل الى الاجنبية فيما عدا الوجه والکفين موضع وفاق بين المسلمين) ففي السعودية تجدون الأمر کذلک، وفي أي بلد من بلاد المسلمين الأمر کذلک، فهذا الأمر ليس فيه أي موضع للاشکال أو القراءات الجديدة (ولا فرق فيه بين التلذذ وعدمه، ولا بين خوف الفتنة وعدمه) وکما تلاحظون الشهيد الثاني (قده) عبر بخوف الفتنة بدل التعبير بالريبة، يعني الخوف من ان يقع هذا الشخص في الحرام، اذاً النظر الى البدن فيما عدا الوجه والکفين حرام مطلقاً (واما الوجه والکفان فان کان في نظرهما احد الأمرين ـ يعني التلذذ والريبة ـ حرم ايضاً اجماعاً، والا) يعني النظر الى الوجه والکفين بدون تلذذ وريبة (ففي الجواز اقوال) وهي نفس الأقوال الثلاثة التي بينها الامام الخميني (قده) الا ان الشهيد يذکرها مع شرح اکثر (احدها الجواز مطلقاً على کراهية) والتفتوا هنا اذ من يقول بالجواز يقول به توأماً مع الکراهية لا أنه مباح مطلقاً (اختاره الشيخ الطوسي) ثم يذکر (قده) الادلة على هذا القول، ولا شغل لنا بذلک الآن (والثاني التحريم مطلقاً) يعني في النظر الأولى أو الثانية أو الثالثة (اختاره العلامة في التذکرة، والقول الثالث جواز النظر الى الوجه والکفين على کراهية مرة وهو الذي اختاره المصنف) أي مصنف الشرايع وهو المحقق الحلي حيث ان المسالک شرح للشرائع (والعلامة في اکثر کتبه). ثم انه يستفاد من عبارة الشهيد في المسالک هنا ان کثيراً من الفقهاء لم يتعرضوا لهذه المسألة حيث ان الاقوال التي ذکرها کانت عن الشيخ الطوسي والعلامة والمحقق الحليين (قدهم)، کما ان صاحب الجواهر يعبر بـ (عن جماعة)، اذاً بعض الفقهاء لم يتعرضوا لمسألة النظر اصلاً، لماذا؟ ربما لأنهم اعتبروا المسألة مسلمة فلم يبحثوها.وأما صاحب الجواهر في الجزء 29 الصفحة 75 بعد ان يذکر ان النظر الى ما عدا الوجه والکفين في حال الاختيار لا يجوز يقول (بالاجماع) وهذا ماقلناه من أن المسألة ليست محلاً للاشکال اصلاً (بل الضرورة من المذهب والدين) اذاً هذه المسألة حرمتها من ضروريات الاسلام فمن يجيزها يکون منکراً للضروري من الدين. ثم يتعرض (قده) الى حکم الوجه والکفين فيقول ان البعض أجازوا النظر اليهما بدون تلذذ وريبة، والبعض لم يجيزوا مطلقاً، ثم ينقل التفصيل السابق بين النظرة الأولى والثانية والثالثة ويقول (وهذا اضعف الاقوال) رغم أن المحقق (قده) وللأسف ذهب الى هذا الرأي. وعلى أي حال فقد اتضح حال المسألة من ناحية الاقوال.بيان الادلة في هذه المسألةوفي مقام الاستدلال نرجع اولاً الى القرآن الکريم حيث ان المسألة ليست اجماعية حتى نتمسک بالاجماع، اذ کان فيها ثلاثة اقوال، والقرآن الکريم في الآية 31 من سورة النور يقول {قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم} الى ان يقول {وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن الا ما ظهر منها} ونحن نريد من جملة الا ما ظهر منها ان نستفيد الجواز بالنسبة للوجه والکفين اجمالاً، يعني ماذا يمکن ان يکون غير الوجه والکفين مراداً وقدراً متيقناً من هذه الجملة؟ اذ لا يمکن ان يکون احد من علماء الاسلام يقول بجواز ابداء الکحل في العين فقط دون بقية الوجه وکذا جواز ابداء الخاتم في اصبع دون جواز ابداء بقية الاصابع، فينبغي ان نذکر احتمالاً موجوداً بين العلماء ولا يکون مخالفاً للمتفق عليه بينهم.اذاً القدر المتيقن من الا ما ظهر منها هو الوجه والکفان.ان قلت:ان هذه الآية تتعرض لمسالة الستر ولا ربط لها بمسألة النظر، فهي تقول فقط (لا يجب على النساء ان يسترن وجوههن وأکفهن)، فهل يمکن من مسألة وجوب الحجاب أو عدم وجوبه استفادة جواز النظر أو عدمه؟قلنا:نعم يمکن ذلک باعتبار ان هناک ملازمة عرفية، فعقلاً لا مانع من أن يجيز الله سبحانه للنساء ان يکشفن وجوههن وأکفهن ويحرم على الرجال النظر اليها، أي انه لا توجد ملازمة عقلية في المقام، الا اننا نعتقد ان هناک ملازمة عرفية، فبحسب المتفاهم العرفي إذا قيل انه لا يجوز الستر يفهم انه يجوز النظر، ولا يصح ان يقال عرفاً للمرأة يجوز لک کشف وجهک وللرجل لا يجوز لک النظر، اما عقلاً فلا اشکال في ذلک. اذاً من يفکک بين هذين الأمرين فهو يبين امراً على خلاف التلازم العرفي، ونحن سنصل الى موارد نلتزم فيها بهذا التلازم الا ما خرج بالدليل.وعلى أي حال فالبحث هو في جملة(الا ما ظهر منها) فاذا ما کان هناک ابهام فيها فينبغي الأخذ بالقدر المتيقن، وهو هنا الوجه والکفان.بيان الروايات المفسرة للآيةواما على صعيد الروايات فهناک روايات وردت في تفسير الآية الشريفة ونحن نفرزها عن الروايات التي سنبحثها تحت عنوان السنة، وهي عبارة عن ثمانية روايات، ويمکن ان يکون هناک غيرها، لکن هذه الثمانية هي العمدة، ومقدار منها موجود في کتاب الوسائل والمقدار الباقي في المستدرک وبعض الکتب الأخرى، وبما ان هذه الروايات متظافرة فنحن في غنىً عن ان نبحث في سند کل واحدة منها.الرواية الأولى: الحديث 3 من الباب 109 من ابواب مقدمات النکاح من کتاب الوسائل (ونحن نتبع في ترتيب الروايات مسألة الأوضحية) عن زرارة عن ابي عبد الله (ع) (في قول الله عز وجل الا ما ظهر منها) حيث يظهر انه کان هناک ابهام في معنى الآية (فقال (ع): الزينة الظاهرة الکحل والخاتم).وهذه الرواية دلالتها جيدة، فاذا کان الکحل ظاهراً فالعين ايضاً ظاهرة، واذا کان الخاتم ظاهراً فالاصبع ايضاً يکون ظاهراً، وبما انه لم يذهب احد الى جواز ابداء العين فقط دون بقية الوجه أو الخاتم فقط دون بقية الاصابع والکف فيستفاد انه يجوز ابداء الوجه والکفين، فاذا کان ابداؤهما جائزاً نستفيد بالملازمة العرفية انه يجوز النظر اليهما ايضاً، حيث انه لا يمکن ان ينظر الى الکحل دون العين باعتبار التلازم بينهما، فهذان متلازمان بالملازمة العرفية بل العقلية ايضاً.الرواية الثانية: الحديث 5 من نفس الباب عن مسعدة بن زياد، وسند هذا الحديث فيه اشکال الا ان ذلک غير مهم بعد تظافر الاحاديث، (قال: سمعت جعفراً وسُئل عما تظهر المرأة من زينتها؟ قال: الوجه والکفين).وانا أرى ان هذه الرواية تشير الى تفسير الآية الشريفة، ودلالتها على المراد أوضح من الرواية السابقة.الرواية الثالثة: الحديث الأول من نفس الباب، وسندها افضل مما سبقها وهي صحيحة، عن الفضيل قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن الذراعين من المرأة، هما من الزينة التي قال الله ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن؟ قال: نعم، وما دون الخمار من الزينة، وما دون السوارين).والسؤال کان عن الزينة الثانية أي التي لا يجوز اظهارها الا للمحارم، واجاب الامام (ع) بأن الذراعين هما کذلک، والخمار هو المقنعة بحسب الاصطلاح وهي ما تغطي الرأس، فما دون الخمار يعني شعر الرأس، وهذا المقدار ايضاً من الزينة الممنوعة لغير المحارم، وما دون السوارين يقصد به المقدار الأعلى من السوارين، وهو ايضاً من الزينة الباطنة. وعلى هذا يعلم ان الوجه والکفين يجوز اظهارهما.فهذه ثلاثة روايات تدل بوضوح على جواز اظهار الوجه والکفين.الرواية الرابعة: الحديث 4 من نفس الباب، عن ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: (سألته عن قول الله عز وجل ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها قال: الخاتم والمُسکَة وهي القلب) والقلب هو السوار، والامام (ع) هنا يقول ان السوار هو من الزنية الظاهرة، وهذا الکلام فيه احتمالان: (1) ان يکون المقصود بالمسکة نوع من الزينة غير الخاتم کانت توضع في الأصابع فتکون جزءً من زينة الکف، والآن هذا النوع من الزينة ايضاً موجود.(2) ان يکون المقصود بالمسکة نفس السوار، وعلى هذا ينبغي ان نقول انه سوار يوضع في انتهاء المعصم بحيث طرفه الأمامي يکون على حد الکف، والا لم يقل احد من علماء الاسلام بجواز اظهار بداية الذراع.والنتيجة هي ان هذه الرواية تتعرض لحکم الخاتم والمسکة باحتماليها، أي هي تذکر حکم الکف بالنهاية، الا انها لا تذکر الوجه، ولعله لأن حکم الوجه من الواضحات، فلأجل وضوحه وکونه من المسلمات لم يذکر، ونحن سوف نرى انه في صدر الاسلام لم يکن استعمال النقاب متعارفاً بين نساء المسلمين، ولکنه شيء حدث فيما بعد، اذاً يکون حکم الوجه والکفين واضحاً وهو جواز ابدائهما.فان قيل: لماذا لا تستفيدون من هذه الرواية جواز اظهار المعصم؟نقول: لان المعصم باجماع المسلمين مما يحرم اظهاره للأجنبي، فلا مجال لنا الا ان نوجه الحديث ونقول ان المقصود بالقلب هو السوار الذي يوضع على آخر نقطة من المعصم بحيث ان طرفه يکون على حد الکف.الرواية الخامسة: وهي الحديث 3 من الباب 85 من المستدرک، (في تفسير علي بن ابراهيم) وهذا التفسير ينقل عنه صاحب المستدرک ولا ينقل عنه صاحب الوسائل (وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (ع)) وهذا الحديث مرسل باعتبار ان علي بن ابراهيم لا يمکنه ان ينقل مباشرة عن ابي الجارود (في قوله ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها فهي الثياب والکحل والخاتم وخضاب الکف والسوار) وهذه الرواية من ناحية المتن من اکمل الروايات التي تذکر المستثنيات من وجوب الستر، أي هي تحدد الزينة الظاهرة بعدة امور هي: الثياب والکحل في العين، والخاتم في الاصبع، والخضاب في الکف وهو ما يقال له الحناء، والسوار، وأصله في الفارسية دستوار فاستعمله العرب العربية بصيغة سوار. وکما نلاحظ هذه الرواية فيها نفس مشکلة الرواية السابقة من حيث ذکرها للسوار في عداد الزينة الظاهرة، ولحل هذه المشکلة يأتي الاحتمالان السابقان، اما بفرض السوار نوعاً من الزينة يوضع في الاصابع غير الخاتم، واما بأن يقال بوضع السوار على آخر نقطة من المعصم بحيث يکون طرفه الأمامي على حد الکف فلا يبين بذلک شيء من المعصم. الى هنا نکون قد ذکرنا خمسة من الأحاديث الواردة في تفسير الآية الشريفة.وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين 

المؤلف:

عدد الصفحات : 28