موقع سماحة آية الله العظمى مكارم الشيرازي(دام ظله).
صفحه کاربران ویژه - خروج
ورود کاربران ورود کاربران

الدخول إلى الحساب

رمز الحماية:

اسم المستخدم:

مفتاح المتابعة:

للاستفادة من امكانيات الموقع الإلكتروني افتح حساباً .
الترتيب على أساس
 
19/ هل يحتاج الکون في بقائه الى الله؟

19/ هل يحتاج الکون في بقائه الى الله؟

الجواب:ليس هذا الايراد ايراداً جديداً ليدلي به الماديون اليوم، بل يشاهد في أحاديث السالفين أيضاً، و قد أجيب عليه في الکتب الفلسفية و الکلامية، على کل حال يمکن طرح هذا الاشکال بشکلين:الأول: يحتاج الموجود أو النظام الخاص الى علة أثناء نشوئه لکنّه لايحتاج لها في بقائه مطلقاً ـ أعم من کون العلة نفس العلة الأولى أو غيرها ـ. هذا ما کان يعتقد به بعض الفلاسفة القد ماء و يتصورون کما أنّ العمارة لاتحتاج في بقائها الى المعمار و البناء کذلک لا يحتاج أي موجود الى علة لاستمرار وجوده!.اذاطرح الاشکال بهذه الصورة فجوابه واضح وجلي جداً، لأنّه بالنظر الفلسفي الدقيق بقاء الموجود شي غير بداية وجوده، و بعبارة أوضح: وجود أي شيء في أي زمان غير وجوده في زمان و لحظة أخرى. بقاء الموجودات على امتداد الزمن کبقاء شکل الشاطي تماماً حيث تتبدل ذرات الماء فيه باستمرار لکنّ صورته الظاهرية باقية کما کانت.بعبارة أخرى: کما أنّ للموجود أجزاءاً ولا يوجد أي جزء بلاعلة، کذلک له امتداد و عمر من الناحية الزمنية بحيث تحتاج کل لحظة منه الى علة، اذن لو لم يحتج شي الى علة في استمرار حياته يجب ان لايحتاج اليها في بدو وجوده، حيث لافرق بين اللحظة الأولى و اللحظة التالية.اسمحوا لي أن أشرح هذا الموضوع أکثر:حسب آخر الدراسات لفلاسفتنا الماضين و آخرها للفلاسفة الجدد ـ في بحث الحرکة الجوهرية و بحث النسبية ـ إنّ الزمن هو البعد الرابع للأشياء، بناءاً على هذا کما أنّه يمکن أن يتفاوت بعد شيئين من ناحية الطول و العرض و العمق ـ أحدهما أکبر و الآخر أصغر ـ کذلک يمکن أن يتفاوت بُعد شيئين من ناحية الزمن.کما أنّ نقصان و زيادة کل من أبعاد الجسم غير ممکن بلاعلة کذلک يحتاج مقدار طول زمان و عمر الأشيائ و الحوادث الى علة. اذن لو قلنا ثمة شيء لايحتاج الى علة في بقائه فکأنّنا قلنا يحتاج الجسم ذو المئة متر الى موجد في المتر الأول فحسب، و أما الأمتار التسعة و التسعون الأخرى توجد ذاتياً هل يقبل شخص هذا الکلام؟أما بشأن مثال «الساعة و صانعها» الممزوج بالسفسطة و أمثاله فيجب الالتفات الى أنّ الساعة تحتاج الى علة في بدو وجودها و في استدامة عمرها أيضاً تحتاج الى صانع في بدو الوجود، لکنّها تستعين بطبيعة المواد المکونة لها لاستمرارية وجودها، أي تأذن متانة الفلزات المستعملة في صناعتها بديمومة عمرها، لذا تختلف أعمار الساعات تبعاً لاختلاف المواد المکونة لها، و هذا دليل واضح على أنّ ابتداء وجود الشي يحتاج الى علة و استمراريته کذلک. نحصل على نتيجة واحدة مما قلنا هي: کما أنّ حدوث و نشوء الشي يحتاج الى علة يحتاج استمرار بقائه الى علة .يضاً ـ سواء کانت نفس العلة أم غيرها ـ و اذا أنر شخص الاحتياج الى العلة في استمرار الحياة فقد أنکر قانون العلية بالمرة. التفتوا الآن کي نتناول الجزء الثاني من الاشکال و هو جزء رئيسي. (تأملوا) يمکن أن يقول البعض: نقر أنّ کل نظام يحتاج الى علة في بدو تکوينه و في ديمومته أيضاً لکن لا يلزم أن تکون علة «الحدوث» هي علة «البقاء» ذاتها، ما المانع أن يکون المبدأ الأصلي لعالم الکون خلق هذا العالم بعلم واردة و قد نظم عجلات العلل و المعاليل الطبيعية و جعلها متصلةً لتستطيع الاستمرار بحياتها لوحدها؟ کما قيل في مثال الساعة أنّ الموجود العاقل و العالم صنعها من مواد متينة فتستمر بعملها بعد حياته أيضاً، نتيجة ذلک أنّ نظام عالم الکون يحتاج الى وجود الله سبحانه في بدو وجوده لکنّه مدين في بقائه لسلسلة من العلل الطبيعية و الحرکات الجبرية. ان طرح السؤال بهذا الشکل فيقال في مقام الجواب: مع الالتفات الى أنّ الزمان بمنزلة البعد الرابع للأشياء، أي إنّ الموجود الطبيعي و آثاره يطوي في کل لحظة مرحلة جديدةً من الوجود، بل ينال وجوداً جديداً في کل لحظة غير الوجود الأول و الوجود التالي، و بعبارة أخرى: العالم مجموعة من «الحوادث» و «الصيرورات»، في هذه الحالة يتضح سبب احتياج الموجود الطبيعي و خواصه الى علة في کل لحظة، تلک العلة التي يکون و جودها أزلي و أبدي و تنبع من ذاتها، لا تلک العلة التي تحتاج بنفسها الى علة. (تأملوا)اسمحوا لي أن أوضح هذا الموضوع بمثال: خذوا المصباح الکهر بائي بعين الاعتبار، يحتاج هذا المصباح لاشتعاله الى مولد کهربائي، لکن هل تختص هذه الحاجة في اللحظة الأولى فقط؟ کلا طبعاً! لو انقطع ارتباطه في زمن ـ و لو قصير جداً ـ مع المولد ينطفأ على الفور و يتبعه انعدام جميع آثاره الأعم من النور و الحرارة يمکن أن يحصل المصباح على الطاقة اللازمة من الأسلاک، لکنّه من البديهي أنّ الأسلاک لاتنتج الکهرباء بل تأخذها من المولد لها هنا نقول أنّ جميع الموجودات في هذا العالم و خواصها و آثارها تحتاج الى مبدأ أزلي تستند إليه في کل لحظة کي تستطيع مواصلة وجودها، لأنّنا نعلم أن وجود هذه الموجودات و خواصها و آثارها لاتنبع من ذواتها، جميعها حادثة و مسبوقة بالعدم. نظام هذا العالم مستند على العلل الطبيعية لکنّ هذه العلل يجب أن تستند الى علة أزلية. أى يجب أن يصل لها نور الوجود رويداً رويداً من ذلک المبدأ الخالد، و اذا قطع الارتباط لحظةً تفنى و تنعدم. هذا ما نقوله من أنّ الله موجود دائماً و في کل مکان مع جميع الأشيائ و الحوادث و لا تستطيع موجودات الکون الاستغناء عنه لحظةً واحدةً لاستمرار وجودها. عالم الکون ليس عالماً أزلياً و أبدياً بل هو عالم حادث يرتبط بوجود أزلي و أبدي و هذه التبعية جزئ من ذات هذا العالم، کما أنّ تبعية إنارة المصباح الى المولد الکهربائي جزء ذاته. الاشتباه الفاحش الذي وقع في مسألة صناعة الساعة هو أنّ صانعها لم يصنع المواد الرئيسية لها، بل أعطى لتلک المواد شکلا معيناً فقط و رکب عجلاتها المسننة مع بعضها، فلو کان هو الصانع لتلک المواد و الموجد لها من العدم لفنيت تلک المواد بفنائه، کذلک المعمار و البناء لم يصنعا المواد الانشائية، بل أعطوها شکلا معيناً، و لو أوجدوا تلک المواد من العدم ـ أي أنّ المواد المذکورة مرتبطة بهما ـ لزالت بزوالهما. إذا أردنا أن نبين هذا الموضوع بتعبير فسلفي يجب أن نقول: العالم ممکن الوجود لا واجب الوجود، بناءاً على ذلک يحتاج ممکن الوجود الى واجب الوجود في بدو حياته و ديمومتها، اذا استغنى في ديمومتها يلزم أنّه واجب الوجود، بينما يستعيل أن يتبدل «ممکن الوجود» الى «واجب الوجود».

المؤلف:

18/ کيف يؤدي تعدد الخالق الى الفساد في الخليقة؟

18/ کيف يؤدي تعدد الخالق الى الفساد في الخليقة؟

الجواب:يمکن شرح هذا الموضوع ببيانين متفاوتين: أحدهما علمي و الآخر فلسفي. و سوف نأتي بکليهما هنا بصورة مختصرة.1ـ يفهم من خلال مطالعة کتاب ما أنّ مؤلفه شخص واحد أو أکثر، فالکتاب المؤلف من قبل شخص واحد يسوده انسجام متميز بين عباراته و جمله و تعابيره المختلفة و الکنايات و العناوين و نمط الدخول و الخروج و المحتويات، و بايجاز يشاهد اتحاد و انسجام في جميع فصوله و أجزائه، لماذا؟لأنّ الجميع وليد فکر واحد و مترشح عن قلم واحد، بينما لايحوي الکتاب المؤلف من شخصين ذلک الانسجام ـ مهما کانا متفقين في الفکر و الذوق ـ، و تلاحظ آثار الاختلاف في العديد من الأجزاء المشار إليها، خاصةً عندما يکون ذلک الکتاب کبيراً و کاملا و يبحث مواضيع متعددة تفهم هذه الحقيقة بسرعة فائقة. عالم الخليقة يعتبر أکبر کتاب للتکوين و لا يستطيع جميع أفراد البشر عدّ صفحاته، و بما أنّ الانسان استطاع قراءته لذا يشاهد نظم معين و تسلسل خاص و انسجام لا يوصف بين جميع صفحاته و سطوره، و الجميع يعتقد بهذه القضية. يؤکد جميع علماء الکون من علماء الکواکب، علماء الذرة، الفيزياويين، الکيمياويين، علماء الحيوان و النبات على اتصال و تسلسل و انسجام جميع اجزاءه و ذراته، فالجميع يقول: يسود هذا العالم نظام واحد و تدبير فريد، فالنظام السائد في المنظومة الشميسية يحکم في الذرة أيضاً بلا زيادة أو نقيصة، تلک الذرة التي لو اجتمعت الملايين منها لشکلت نقطةً واحدةً.القوانين و النواميس التي تسود العالم شاملة و کلية الى درجة أنّه يمکن الحصول على قانون کلي و عمومي يحکم عالم الخليفة من أوله الى آخره عن طريق تحليل صغير في زواية من هذا العالم. قانون الجاذبية العام يشمل العالم بأسره و لايستثنى أي مخلوق منه. جميع النباتات و الحيوانات يقومون بانتاج المثل التشابه الکببير في خلقة الحيوانات أجبر البعض على القول أنّ الجميع من أصل واحد الخ.الخلاصة، الى أي جهة نظرنا و أي شخص سألنا يعترف الجميع بهذه الحقيقة و يصدقونها و هي أنّ آثار الوحدة و التفرد و النظام الواحد ملحوظة من أقصى العالم الى أقصاه.لو لم يکن مبدأ الخلقة واحداً، و ساد العالم رأيان و فکران لما کان على ما کان عليه طبعاً، و لما کان هناک أثراً للاتصال و الانسجام و النظام و التدبير الموحد، و تکون نتيجة هذا الانفصال الفساد في جهاز الخلقة و النظام السائد فيها.سأل «هشام بن الحکم» الامام الصادق(عليه السلام): ما الدليل على وحدانية الله؟فأجابه الامام: «اتصال التدبير و تمام الصنع، کما قال الله: (لو کان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا)» (1)2ـ البيان الثاني هو البيان الفلسفي الذي أشير له في بعض الآيات القرانية و هو: حيثما حکم السموات و الأرض إلهان فاما أن يکونا متماثلين مع بعضهما أو متباينين تبايناً کلياً، و کلما کانا متماثلين و نظيري بعضهما البعض (کالشخصين اللذين يعدان نظيري بعضهما من جراء التشابه الکامل وجهة الاشتراک الموجودة بينهما) يجب أن يکونا متماثلين و متشابهين في جزء معين، لکنّهما يختلفان في الجزء الآخر،لأنّه لامعنى لکون موجودين متشابهين من جميع الجهات بدون وجود تفاوت بينهما، حتى التوأمان المتشابهان من ناحية الشکل و المظهر و اللون و طول القامة و الصوت و غيره يفترفان عن بعضهما في بعض النواحي ـ على الأقل لحظة الولادة و المادة المصنعة بدون الروح الخ ـ.نتيجة هکذا فرض «الترکيب». الترکيب من «ناحية الاشتراک» و لو الاشتراک في أصل الوجود، و من «ناحية الاختلاف» المؤدية الى تعدد و ازدواجية أولئک، و بما أنّ البراهين الفلسفية أثبتت وجوب کون الله بسيطاً ففي هذه الحالة يبطل هذا الفرض (الهين متماثلين). لذا نضطر الى ترکيز البحث حول وجود إلهين متباينين في العالم، الهين ليس بينهما أي وجه للاشتراک، و يعتبران متباينين بالکامل مع بعضهما من ناحية الذات و الوجود. و واضح أنّ آثار و أفعال الموجودين المتباينين يجب أن تکون متباينةً کذاتيهما، لأنّه لايمکن تصور وجود موجودين متباينين لايشترکان بأدنى نقطة اشتراک و اتحاد، و في الوقت نفسه يستويان من ناحية الفعل والأثر. کلما حکم العالم إلهان من هذا القبيل سوف يکون تدبير کل منهما مبايناً و مخالفاً للآخر، و نتيجة الحکومة المتباينة في السموات و الأرض اختلال النظم و انقطاع العلاقات و بروز الاختلاف في عالم الخليقة و اضمحلال الانسجام من ناحية الادارة.في الوقت الذي نرى خلاف ذلک في عالم الخلقة، لأننّا نشاهد لو خلق الله حيواناً يجعل جميع العالم منسجم معه و يدمج وجوده مع وجود الآخرين حتى کأنّ جميع العالم خلق لخدمته و مساعدته، و يدل هذا الانسجام على حکومة إدارة واحدة على العالم. و قد أشير الى هذا النمط من الاستدلال في سورة المؤمنون الآية 91.بناءاً على هذا تثبت الأدلة الفلسفية و المطالعات العلمية هذه الحقيقة و هي أنّ هناک إرادة واحدة و مشية واحدة و ذات طاهرة واحدة حاکمة على جميع الکون.   1. بحار الانوار، ج 3، ص 20. 

المؤلف:

17 / هل الاعتقاد بوجود الشيطان دليل على الشرک؟

17 / هل الاعتقاد بوجود الشيطان دليل على الشرک؟

الجواب:من المسلم أنّ هکذا استنباطات ناتجة من عدم التفسير الصحيح الفظ الشيطان أو جبرائيل و النبى، لأنّه مع الالتفات الى حقيقة معاني هذه الألفاظ لايبقى مجال للترديد و الشک في هذا الخصوص.  الشرح:إنّ الشيطان أحد مخلوقات الله کسائر الموجودات، و في بداية خلقته کان طاهراً، لکنّه سقط عن مکانه الشامخ على أثر الطغيان و التکبر و غاص في وادي التخريب و الفساد، و تسلطه على أفراد البشر ليس تسلطاً إجبارياً أبداً، بل تسلطه على الأشخاص الذين يفتحون المجال له و يقبلون و لا يته و يتأثرون بوسوسته، أما الذين بنوا سداً أمامه بواسطة الايمان بالله والارادة القوية و الراسخة فلن ينفذ إليهم أبداً «إنّما سلطانه على الذين يتولونه» (1)مماقيل يتضح جيداً أنّ الشيطان ليس مبدأً مستقلا مقابل الله و لا خالقاً للأشرار و الآفات، بل يعتبر نفسه موجوداً ضعيفاً و مخلوقاً عاجزاً من مخلوقات الله، و لئن کنا نشاهد أنّ الله أخلى سبيله فلأجل أنّ عباد الله المخلصين و مستقصي الحقائق لا يضرهم وجوده بل تزداد مقاومتهم باستمرار أمام وساوسه و يصبحون أکثر کمال وقوة و لياقة حيث قيل: «يحدث التکامل في التضاد». أما الاعتقاد بالله و جبرائيل و محمد(صلى الله عليه وآله) فلا يشبه بأى وجه عقيدة النصارى بالتثليث ـ الاب و الابن و روح القدس ـ، نحن نعتبر الله جل و علا المعبود الوحيد و الخالق الفريد لتمام عالم الکون، و نعتبر غيره حتى النبي محمد (صلى الله عليه وآله) و جبرائيل و سائر الأنبياء و الملائکة مخلوقين له حيث لا يملکون أي اختيار في عالم الکون الوسيع، الجميع عباده و الجميع مطيع لأوامره. جبرائيل حامل رسالة وحيه، و محمد(صلى الله عليه وآله)عبده و رسوله و منتجبه. بيّن القرآن الکريم ـ الدليل الريئسي لجميع عقائدنا ـ هذه الحقيقة بوضوح في الکثير من الآيات و سوف ترفض أي عبارة يشم منها رائحة ألوهية النبي أو جبرائيل بشدة.  1. سورة النحل، الآية 100.

المؤلف:

9 / کيف تکون وقائع المستقبل حاضرة لدى الله تعالى؟

9 / کيف تکون وقائع المستقبل حاضرة لدى الله تعالى؟

الجواب:بُيّن مفتاح حل هذه المشکلة و المشاکل المشابهة في بحوث معرفة الله. الماضي و المستقبل و الحاضر مفاهيم من صناعة فکر وجود البشر المحدود لأنّ: وجودنا محدود من ناحية الزمان و المکان أيضاً، يعني: أنّنا نقع على نقطة محدودة من الزمان و المکان.تعدد وجودنا من ناحية المکان أوجد لنا مفاهيم «البعد و القرب» فلو ملأ وجودنا جميع العالم هل يبقى معنى للقرب و البعد لدينا؟!کذلک تحددنا و تقيدنا من ناحية الزمان يصور الماضي و المستقبل و الحاضر في أذهاننا، «الحاضر» هو الزمان الذي نعيش فيه، و «المستقبل» هو الزمان اللاحق لنا، و «الماضي» هو الزمان السابق لنا، أي أنّ المقياس فى الجميع وجودنا.لذا ما هو «زمان ماض» بالنسبة لنا کان «زماناً حاضراً» بالنسبة لمن کان يعيش قبلنا بقرن من الزمن، و هو ذاته يشکل «المستقبل» لمن کانوا يعيشون قبلنا بقرنين من الزمن!بناءاً على هذا ليس لهذه المفاهيم أي معنى بالنسبة للوجود «غير المنتهي» الذي يوجد في کل زمان و مکان إنّه يعتبر الماضي و المستقبل کالحاضر و يراه کذلک، و يحضر الجميع لديه بصورة متساوية.مثلا: الشخص الذي ينظر من نافذة صغيرة من الحجرة لقافلة من الجمال، و لا يرى في کل لحظة أکثر من جمل واحد، يصور في ذهنه زمناً ماضياً و حاضراً و مستقبلا لهذه القافلة (لأنّ نافذة رؤيته محدودة) و أمّا الشخص الواقف خارج هذه الغرفة و ينظر الى تمام القافلة فيراها دفعةً واحدةً في حالة الحرکة!بعبارة أخرى: تحظر جميع الحوادث بظرفها لدى الوجود الکائن فوق الزمان و المکان.يصح أن نقول أنّ احداث المستقبل غير موجودة الآن، لأنّ «الآن» إشارة الى الزمان الحاضر الذي نعيش فيه، لکنّ هذا لايکون دليلا على أنّ المستقبل غير موجود في ظرفه، بل کل موجود يوجد فى ظرفه، و لا يمکن سلب ذلک فى صفحة الوجود بصورة کاملة، و يمکن القول أنّ حادثة غد غير موجودة اليوم، لکن لايمکن القول أنّها غير موجودة أصلا. (تأملوا)

المؤلف:

7 / مَن خلق الله؟

7 / مَن خلق الله؟

الجواب:بالمناسبة هذا الاشکال أحد أهم إشکالات الماديين و أولاها و أقدمها في نفس الوقت. أولئک يقولون بعبارة أوضح: «إذا کان الله خالق کل شيء فمن خلق الله؟»الآن کيف واجه السيد راسل هذا الاشکال بصورة متأخرة جداً، الجواب ليس واضحاً لنا أصلا، لکن و انطلاقاً من کون هذا السؤال يدور في أذهان الکثير من شبابنا يجب أن يناقش بدقة:توجد هنا عدة نقاط رئيسية يتضح جواب السؤال بالالتفات إليها:لو قبلنا عقيدة الماديين و تناغمت أصواتنا مع السيد «راسل»، هل سنتخلص من هذا الاشکال؟ قطعاً کلا!... لماذا؟لأنّ أنصار المادية يعتقدون بقانون العلية أيضاً، أولئک يعتبرون جميع الأشياء الموجودة في عالم الطبيعة معلولةً لشيء آخر، بناءاً على هذا سيواجهون نفس هذا السؤال و هو لو کان کل شيء معلولا للمادة فالمادة معلولة لأي شيء؟لذا (و بالالتفات الى أنّ سلسلة العلة و المعلول لايمکن أن تستمر الى مالانهاية) يؤمن جميع فلاسفة العالم (الأعم من الالهيين و الماديين) بوجود أزليٍّ (الوجود الکائن أبداً و دائماً)، لکنّ الماديين يقولون أنّ الوجود الأزلي للعالم هو تلک «المادة» أو القدر المشترک بين المادة و الطاقة، بينما يقول الالهيون و المؤمنون أنّ المنشأ و المبدأ الرئيسى هو الله تعالى و على هذا يتضح أنّ السيد «راسل»يجب أن يؤمن بوجود أزلي (حتى لو کان مادةً).هل يمکن أن يکون لذلک الوجود الأزلي علة؟ طبعاً کلا!... لماذا؟لأنّ الوجود الأزلي موجود دائماً و أبداً، و الشيء الموجود کذلک لايحتاج الى علة، الموجود المحتاج الى علة هو الذي لم يکن موجوداً في زمن ثم وجد فحسب. (تأملوا). النتيجة هي أنّ: الوجود مبدأ أزلي و دائمي و أبدي، و هذا الکلام متفق عليه، و تثبت الأدلة العقلية بطلان التسلسل (سلسلة من العلل و المعاليل غير المنتهية)، فأجبر جميع الفلاسفة على الاعتقاد بمبدأ أزلي.بناءاً على هذا ليس الاختلاف بين «الفلاسفة الالهيين» و «الماديين» قبول أحدهم «لعلة العلل» و إنکار الآخر لها کما تصور «راسل»، بل کلاهما متساوون بالاعتقاد بوجود علة العلل أو العلة الأولى.إذن أين يکمن الاختلاف بين هذين الاثنين؟يجب القول بصراحة أنّ نقطة الاختلاف الوحيدة تکمن في أنّ الالهيين يعتبرون العلة الأولى ذات علم و إرادة (و يسمون ذلک الله)، لکنّ الماديين يتصورون أنّها فاقدة للعلم و الارادة (و سموا ذلک المادة).الآن کيف يمکن أن يبقى مطلب بهذا الوضوح مجهولا للسيد «راسل»، ليس لذلک جواب سوى أن نقول أنه کان متخصصاً في فروع علوم الرياضيات و العلوم الطبيعية و علم الاجتماع، لافي المسائل الدينية و الفلسفة الأولى (بمعنى معرفة الوجود و المبدأ و آثارهما).نحصل على هذه النتيجة أيضاً من الشرح المذکور و هي أنّ الفلاسفة الالهيين لايستدلون ببرهان علة العلل لوحده لإثبات وجود الله أبداً، لأنّ هذا الدليل لوحده يرشدنا الى وجود «علة أولى» أو بعبارة أخرى الى وجود أزلي، حيث يعتقد الماديون بذلک أيضاً.بل المسألة المهمة للفلاسفة الالهيين هي أن يستدلوا - بعد إثبات العلة الأولى - لإثبات علمه غير المنتهي، حيث أنّ إثبات هذه المسألة عن طريق مطالعة نظام الوجود و الأسرار العظيمة و البديعة للخلقة و القوانين المدروسة الحاکمة على جميع السموات و الأرض و الموجودات الحية و تنوعها أمر يسير. (تأملوا)يجب عدّ هذا أول رد على هذا الاشکال.الموضوع الآخر الذي يجب التذکير به هو: أنّ أساس الاشکال قائم على هذا الموضوع «کل موجود محتاج الى علة و خالق»، في حين أنّ هذا القانون ليس کلياً، و يصدق فقط في الموارد التي کان الشىء معدوماً سابقاً ثم لبس ثوب الوجود. (تأملوا) الشرح هو: أنّ ثمة موجودات لم تکن موجودةً مسبقاً، کالمنظومة الشمسية و من ثم الموجودات الحية ـ الأعم من النبات و الحيوان و الانسان - حيث يشهد تاريخها بوضوح أنّ لباس الوجود لم يکن أزلياً و دائمياً بحقها، بل التفاوت الموجود فيها في عدة ملايين الى عدة مليارات من السنوات السابقة تؤيد عدم وجود خارجي لها سابقاً ثم وجدت.يلزم طبعاً وجود علل لايجاد هکذا موجودات، فانفصال الأرض عن الشمس (حسب نظرية لابلاس أو النظريات اللاحقة لها) يحتاج الى عوامل خاصة ـ سواءاً عرفناها بالکامل أم لا.کذلک وجود أول براعم الحياة النباتية ثم الحيوانية ثم الانسانية رهن علل و عوامل عديدة، لذا يسعى و يحاول العلماء إدراک هذه العوامل باستمرار، و إذا صار البناء أنّ وجود هذه الموجودات لايحتاج الى أي علة فلا داعي لکونها وجدت في مليون أو عدة مليارات سنة، فلماذا لم توجد في ضعف أو نصف هذا الزمان مثلا؟ إختيار هذا الزمان الخاص لوجودها أفضل دليل على أنّ شرائط و علل وجودها تحققت في هذا الزمان فقط.أما لو کان هناک وجود أزلي و دائمي ـ سواءاً سمينا هذا الوجود الله أو المادة - فهکذا وجود لايحتاج الى أي علة، لايلزم خالق و رب، لأنّه لم ينظّم تاريخ لوجوده بحيث يبقى مکان العلة و الخالق خالياً في ذلک التاريخ.الشيء الدائمي و الأزلي ينبع وجوده من داخل ذاته لامن خارجها کي يحتاج الى خالق. (تأملوا).نحتاج أنا و أنت و الأرض و السماء و المنظومة الشمسية و... الى خالق حيث أنّ وجودنا ليس أزلياً و أبدياً، و ليس من داخل ذواتنا، لاعلة العلل و العلة الأولى التي يکون وجودها منها.مثال واضح:يضرب الفلاسفة أمثلةً لتوضيح هذا الکلام الفلسفي و تقريبه الى الذهن فيقولون مثلا:عندما ننظر الى غرفة عملنا أو منزل سکننا نراها مضيئة.نسأل أنفسنا: هل أنّ هذا النور من نفس هذه الغرفة؟فنجيب أنفسنا فوراً: کلا، لأجل أنّه لو کان ذلک النور ينبع من نفس الغرفة للزم أن لاتصبح مظلمةً أبداً، في حين أنّها مظلمة أحياناً و مضيئة أحياناً أخرى إذن إنارتها تنبع من مکان آخر.نصل الى هذه النتيجة بسرعة أنّ إضاءة حجرتنا و منزلنا بواسطة الذرات أو الأمواج النورية التي تنيرها.نسأل أنفسنا على الفور: إضاءة ذرات النور من أين أتت؟نجيب أنفسنا بعد تأمّل بسيط: إضاءة ذرات النور من نفسها و تنبع من ذاتها، فلم تستعير ذرات النور صفة الاضاءة هذه لانستطيع أن نجد في أي مکان في العالم ذرات نور مظلمة ثم أخذت نورها من شيء آخر.ذرات النور مضيئةً أينما وجدت، الاضاءة جزء من ذاتها، إضاءة ذرات النور ليست مستعارةً.من الممکن أن تزول ذرات النور، لکن لايمکن أن تکون موجودةً و مظلمةً في نفس الوقت. (تأملوا). بناءاً على هذا لو قال شخص أنّ إضاءة کل مکان في العالم معلول للنور، فمن أين يضيء النور؟نجيب فوراً: إضاءة النور جزء وجوده.کذلک عندما يُسأل: وجود کل شيء من الله، فممّن وجود الله؟نجيب فوراً: من نفسه و من عمق ذاته.

المؤلف:

16 / سرّ خلق الانسان

16 / سرّ خلق الانسان

الجواب:فکّ عقد هذا السرّ و الجواب الرئيسى و الواضح لهذا السؤال مرهون بتبيين موضوعين حيث لک منها دور مهم في الاجابة على هذا السؤال:1ـ فى الوهلة الأولى يجب الالتفات الى أنّ هذا السؤال يظهر بصورة عقدة غير قابلة للحل عند ما تحصر دائرة الکون بالعالم المادي و يقتصر وجود الکون على النظام المادي و الظواهر الطبيعية، و يعتبر الموت نهاية حياة البشر، و عدم قبول وجود عالم باسم «القيامة» و دار بعنوان «الآخرة».حينها يظهر هذا السؤال بصورة إشکال معقد فيسأل الانسان نفسه: ما هو سرّ خلق الانسان؟ لماذا يضع الانسان أقدامه على هذا العالم و بعد سنوات من الحياة ـ و غالباً ما تکون مقرونةً بالمرارة و الفشل و الخيبة و الحرمان ـ يطوى طومار عمره و يغلق ملف حياته «من أين أتى و لأجل ماذا!» فما هو الهدف من ضوضاء هذه الحياة التي تستغرق أياماً و ما فلسفة تلک الحياة المؤقته، و لماذا يضع الانسان خطاه فى هذا العالم! و بعد إنفاق مقدار من الأکل و الشرب تعدّ أنفاسه و يتوقف قلبه عن النبض و يذهب تحت الأنقاض و التراب و يتآکل و يصبح رميماً ثم يظهر بشکل طابوق و طين، فکأنّه لم يکن من الأساس و لم يضع الانسان خطاه فى هذا الميدان! في الواقع إنّ المدرسة المادية عاجزة و ضعيفة أمام هذا السؤال، لأنّها تحصر العالم بالمادة و الظواهر المادية، و لاتؤمن بالله و العالم الآخر، و عليه مهما بحثت في الجدر الأربعة لعالم المادة و مهما حدقت في سيماء الظواهر المادية لتجد فى هذا المحيط هدفاً لخلق الکون و الانسان بوصرة خاصة فلن تواجه شيئاً سوى الحيرة و الذهول و الاضطراب و أحياناً السلب و النفى .لکنّ الذين يعتبرون الحياة المادية للانسان منزلا من منازل حياة البشر، و يعتقدون بدار أخرى بعد هذا العالم، و أنّ هذا العالم مقدمة لعالم آخر، و ليس الموت نهاية البشر، بل نافذة للعالم الآخر، و جسر للوصول الى الأبدية، فى مدرسة هؤلاء الأفراد يصبح الجواب على هذا السؤال سهل و يسير، فاذا لم يستطيعوا قراءة الهدف من خلقة الانسان فى محياه في هذا العالم فسيجدون ذلک الهدف حتماً فى العالم الآخر و فى حياته الأبدية و يقولون: إنّ الهدف من خلق الانسان في هذا العالم تجهيزه لحياة اُبدية و خالدة تکون الهدف النهائي. 2ـ الموضوع الآخر الذي يجب الالتفات إليه و الذي يعتبر الرکيزة الثانية لحل السؤال هو: کل إنسان عاقل يقوم بعمل ما فلأجل هدف يحتاج إليه، لأنّ الانسان موجود محتاج من مفرق رأسه الى أخمص قدمه، و يقدم على العمل و النشاط طبعاً لأجل التکامل و رفع احتياجاته، مثلا يتناول الغذاء و يشرب الماء، و يلبس الملابس و يدرس لسد جزء من احتياجاته المادية و المعنوية. حتى أفعال الخير و الصلاح التى ينجزها مثل أعانة البؤساء و المحتاجين، و إنفاق مبالغ لتربية و تعليم أبنائه، و إشادة مستشفى ضخمة، جميع ذلک لرفع الحاجة التي يشعربها فى داخله، فما يحفزه لتنفيذ تلک البرامج ذات المصلحة العامة إما نيل الثواب الدنيوي و الأخروى الذي أخبر عنه الأنبياء السماويون، أو رفع الألم و المشقة التى تعتريه نتيجة مشاهدة المناظر المؤلمة و المثيرة للمحرومين و المساکين، فيستعمل جزءاً من ثروته في هذا الطريق لرفع هذا الألم الروحي ليشعر براحة الوجدان، أو يکون الهدف الحصول على الشهرة و الافتخار التي يعتقد أنّها أساس للتکامل.الخلاصة إنّ: الانسان عندما يقوم بأي فعل فلأجل مصلحة أو لدفع الضرر الذى يشعر أنّه يحصل بترک هذا العمل، و هو يبحث في جميع هذه الأعمال عن فائدته و تکامله الى درجة أنّه يصعب العثور على مورد في أعمال البشر يقوم الشخص فيه بالعمل لأجل نفس العمل و لا يأخذ بنظر الإعتبار ـ و لو بصورة عفوية تکامله الجسمي و المعنوي. طبعاً أحاطت الحاجة بالانسان من کل جهة فاضطر الى أداء الأفعال المختلفة لحفظ تکامله.(1)الآن و بعد أن عرفنا العلة و الباعث لقيام الانسان بأفعاله، واتضح أنّ أعماله تؤدى بقصد هدف معين، و ليست نتيحته سوى تکامله الروحي و الجسمى ، يجب أن ندرس و نحلل «الهدف من أفعال الله»:صحيح أنّ الساحة الالهية المقدسة بعيدة و منزهة عن اللغو، و له هدف من جميع أفعاله، و قد خلق کل موجود لأجل هدف، لکن يجب معرفة ما هو الهدف في أفعال الله و ما هو معناها؟عندما نقول إنّ خالق العالم خلق کل موجود لهدف معين، فليس بمعنى ما تصورناه بشأن أفعال البشر بل کيفية الهدف في أفعال الله مع ما قلناه حول الانسان مختلفة تماماً. مع الاختلاف الواضح بين الله و البشر و أنّه غني و غير محتاج و الانسان محتاج من مفرق رأسه الى أخمص قدمه، يتضح أنّ «الهدف في أفعال الله» ذو معنى آخر و في النقطة المقابلة لما قيل في تفسير أفعال البشر.بما أنّ الانسان محتاج و لا ينقطع احتياجه من خارج ذاته حتى لحظةً واحدةً يضطر الى السعي للحياة و يحاول جاهداً و باستمرار رفع احتياجاته و نقائصه، وينشط لحصول تکامله المعنوي و المادي. لکن بما أنّ الله وجود غير محدود و متناه فلا يتصور الفقر و الحاجة في ذاته المقدسة، لأنّه يحوي جميع الکمالات. في هذه الحالة يجب أن يکون الهدف في أفعاله «إيصال النفع للآخرين». بعبارة أوضح: الله تعالى وجود غير متناه و کامل من جميع الجهات و لا مجال لأي احتياج فى ذاته المقدسة، و من جهة أخرى نعلم أنّ أفعاله مطابقة للمصالح و الحکمة و ساحته منزهة عن الأفعال اللغوية، نستنتج من کل ذلک: ليس قصده من خلق الانسان رفع حاجته، بل تعود نتيجة الخلق الى نفس الانسان حتماً، الهدف هو إيصاله الى کماله اللائق بدون أن يکون لايصال الانسان الى أرفع الدرجات نتيجة لذاته المقدسة. التکامل في عالم الطبيعة:المطالعة الاجمالية في عالم الخلقة تخبرنا عن حقيقة واضحة و هى: کل العالم مهد لتکامل و تربية الموجودات، و يحصل تکامل کل موجود نتيجة تکامل موجود أرفع منه. مثلا تشع أشعة الشمس الحارة على البحار و المحيطات، فترسل جزءاً من مياه البحر الى الأعلى، تقرع الرياح و الزوابع ذلک البخار فتسوقه الى الأماکن اليابسة، ينزل بخار البحر على سطح الارض بعد سلسلة من الانفعالات الطبيعية على شکل قطرات من المطر و حبات شفافة من الثلج فتهب روحاً جديدةً لتلک الأرض الميتة، و تخرج الأرض أسرارها الکامنة من خلال حرکتها الهادئة، و تصبح الصحاري و البوادي بشکل مخمل أخضر، و تنبت في کل زاوية وردة و سنبلة و في کل نقطة نبتة و شجرة، يمنح ترنم الجدول و دوي الشلال و تغريد البلابل السار و أوراد الصحراء المعطرة جمالا آخر للطبيعة و الحياة. مطالعة هذا الفصل من کتاب الکون يعلم الانسان أفضل درس لمعرفة الله جل جلاله و يدلنا في نفس الوقت الى السنة الالهية الحکيمة فنرى بأم أعيننا أنّ کل موجود من جماد و نبات و حيوان يسرع نحو الکمال وفق برنامج خاص، تتحرک جميع موجودات العالم نحو الکمال بطريقة خاصة، فتتحول من صورتها الناقصة الى صورة کاملة کل يوم و کل عام. لم تکن الشجرة المثمرة فى اليوم الأول أکثر من خلية، ثم تصبح على شکل أضخم أشجار العالم بعد اجتياز عدة مراحل، أو ذلک الحيوان الکبير کان فى البداية خليةً فى رحم الأم أو کان مسجوناً وسط بيضة مغلقة، ثم وصل من أسفل مراحل الحياة الى آخر مراحل الکمال اللائقة في ضوء الارادة الالهية الحکمية. کأنّ هذا العالم أرفع مهد لتربية القابليات المضمرة في النبات و الحيوان حتى يصل کل موجود الى کماله اللائق به. الانسان الذي هو جزء من عالم الخلقة و واحد من الثمار الغالية لعالم الکون مشمول لهذا القانون، و من ناحية الهدف و السر يتحد مع النباتات و الحيوانات، و ليس الهدف من خلقه إلاّ أن يصل الى کماله اللائق به و تتفتح قابلياته المکنونة إنّه يسلک طريق کماله بارادته و اختياره. بل يمکن القول أنّ العالم أو الکثير من الموجودات فيه خلقت لأجل الانسان ليستفيد منها في رفع احتياجاته و يصل الى کماله اللائق و الجدير به. بناءاً على هذا لم يخلق الله الانسان ليسد حاجة له، و يبعد عنه النقص، بل خلق الانسان ليسير نحو الکمال اللائق، و يبحث بحرية عن طريق التکامل و السعادة. نقول بصورة أو ضح: خلق الانسان ليوصله الى أعلى درجات الکمال، و يصل ذلک الموجود التافه و الحقير (الخلية الانسانية) في طريق تکامله ليصبح عالماً مقتدراً قوياً ذا إرادة مفکراً عاقلا، و من خلال هذه الکمالات المحدودة يضحى مثلا لکمالات الله غير المحدودة و اللامتناهية. إنّه خلق الانسان و أودع في فطرته الاستعداد و القابلية اللائقة نصب و عيّن له الأنبياء و المعلمين السماويين لتربيته لينال تکامله المتعد الجوانب في ظل عبودية الله و اتباع أوامره، و يتجهز لحياة اکمل في عالم أوسع. أشير في القرآن الکريم و الأحاديث الاسلامية الى ما قيل أعلاه بصورة مجملة، يعتبر القرآن المجيد الهدف النهائي لخلق الانسان هو الحياة و السعادة الأبدية في عالم أوسع فيقول: «أفحسبتم أنّما خلقناکم عبثاً و أنکم إلينا لا ترجعون»(2).المراد لا يمکن العثور على الهدف من خلقة الانسان فى إطار الحياة المادية، بل يجب أن نستقصي ذلک في عالم آخر، و يجب أن نعلم أنّه بموته أيضاً أکمل سيره التکاملى و يسير نحو کمال مطلق (کمال الله تعالى).و اذا ذکر فى آية «ما خلقت الجنّ و الانس إلاّ ليعبدون»(3) أنّ الهدف من خلق الانسان عبادة الله تعالى، فليس المعنى أنّ الله محتاج الى إطاعة عباده له، بل المراد أنّ الانسان يصل الى کماله عن طريق العبودية و اتباع أوامر الله و معرفته، و ينال سعادته الأبدية و الخالدة المعلولة لأطاعة الأوامر الالهية و الحصول على الحياة الخالدة المقرونة بالسعادة و حسن الطالع هي الهدف النهائي حيث لا يجب أن ننتظر هدفاً آخر بعد ذلک، و لا يجب تکرار سؤالنا مرةً أخرى فنقول ماذا بعد نيل هذا الکمال النهائي و ما هو الهدف منه ؟يمکن أن يقال لماذا لم يعط جميع هذه الکمالات للانسان دفعةً واحدةً، و لماذا خلقه محتاجاً ليصل الى الکمال المطلوب فى ضوء نشاطاته و فعالياته؟الاجابة على هذا السؤال واضحة يکون النمط الاخلاقي ممدوحاً و مستحقاً للاطراء و يعتبر کمالا في حالة حصل عليه الانسان بکامل حريته و اختياره و ارادته، و اذا ظهر کمال داخل الانسان بصورة إجبارية و غير مطلوبة فلا يعد فضيلةً أخلاقيةً و ملاکاً للأفضلية أبداً، مثلا إعانة البوساء و تشييد المستشفى يعد دليلا على التکامل الروحي في صورة أنّ الانسان قام به بارادته و اختياره، بينما لو أخذت الأموال قسراً من إنسان و أنفقت في هذا الطريق فلا يمکن أن يعد ذلک فضيلةً أخلاقيةً لصاحب الأموال، و سوف لن يحظى عمله بثناء و تقدير الآخرين. بناءاً على هذا، يجب على الانسان للوصول الى التکامل الروحي أن يسير على طريق الفضيلة بحرية و طبق إرادته.   1. نعم يستطيع الرجال الأعاظم و الشخصيات البارزة الالهية أن يجردوا أنفسهم عن هذه الروح فيقومون بالأعمال اللأتقة لأجلها نفسها بدون الأخذ بنظر الاعتبار أدنى نفع مادى و معنوي.يمکن العثور على الکثير من هذه الأعمال المتميزة في حياة الأعاظم و بالذات أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهو القائل: ما عبدتک خوفاً من نارک و لا طعماً في جنتک، بل وجدتک أهلا للعبادة فعبدتک هکذا أشخاص يعشقون العباة و يذوبون في کمالات معبود هم، يغفلون عن أنفسهم في حالة العبادة و ينسون أنفسهم و يعبودن معبودهم لأنّه جدير و لائق بالعبادة حسب تشخيصهم. أحياناً تکون عاطفة الأمومة طاهرة و نزيهة و على درجة عالية فتعشق ولدها و تغفل عن نفسها، فمن هذه الناحية تفدى نفسها لطفلها.2. سورة المؤمنون، الآية 115.3. سورة الذاريات، الآية 56.

المؤلف:

15 / ما مفهوم البصر و السمع لله تعالى؟

15 / ما مفهوم البصر و السمع لله تعالى؟

الجواب: البصر و السمع فى البشر کما قيل آنفاً، لکنّ المقصود من توصيف الله بهاتين الصفيتن هو أنّ جميع المرئيات و المسموعات حاضرة لديه، و لا يغفل الله عنها أبداً، و بعبارة أخرى ما يراه أو يسمعه الآخرون بعيونهم و آذانهم يعلمه هو بعلمه اللامتناهي.لأجل هذا يعيد علماء العقائد و المذاهب حقيقة هاتين الصفتين الى «العلم اللامتناهي» لله جل و علا و يقولون: النتيجة التي يحصل عليها إنسان بصير و سميع ـ بعد النشاطات الکثيرة التي تبذلها الأعضاء الخاصة للبصر و السمع ـ هى الاطلاع على المرئيات و المسموعات، فکلما اطلع وجود مثل الله بدون استعمال عضو أو نشاط فيزياوي على المرئيات و المسموعات بصورة کاملة قطعاً يصح لنا القول: بصير و سميع.حتى حقيقة البصر و السمع في الانسان هي الاطلاع على المرئيات و المسموعات، و جميع النشاطات العضوية مقدمة للبصر و السمع. کلما استطاع فرد ـ بدون الحاجة الى هذه المقدمات ـ أن يدرک المرئيات و المسموعات يمکن أن يقال عنه سميع و بصير بطريق أولى. بما أنّ الانسان موجود مادي و لا يستطيع أداء عمل بدون الوسائل المادية لامناص له من استعمال الأعضاء و الأدوات المادية و نشاطاتها الخاصة للوصول الى النتيجة المطلوبة و هي إدارک المبصرات و المسموعات، لکنّ الله أرفع من المادة و لا يحتاج الى شيء للادارک، فيحضر العالم بجميع وجوهه المختلفة بين يديه، لذا يمکنه أن يکون سميعاً و بصيراً بلاحاجة الى أي مقدمة، لأنّ جميع المرئيات و المسموعات حاضرة لديه و هو يعلم بها جميعاً.

المؤلف:

14/ ما معنى القضاء و القدر

14/ ما معنى القضاء و القدر

الجواب:مسألة القضاء و القدر من المسائل الواردة في جميع الأديان لجميع شعوب العالم، و لاتختص أمة من الأمم بالاعتقاد بها ـ برغم أنّ کتابنا السماوي و أحاديثنا الاسلامية أولت اهتماماً خاصاً لهذا الموضوع. للأسف نتيجةً لسوء التفسير الصادر من بعض غير المتخصصين بالنسبة للقضاء و القدر لا يملک الناس انطباعاً جيداً عن هذين اللفظين، غالباً يرتجفون من سماع هاتين الکلمتين و يظنون أنّ التقدير الالهي عمل خارج عن دائرة الحياة و له أثر مباشر على إرادة الانسان، يظهر أحياناً بشکل عامل إيجابي فيجبر الانسان على القيام بعمل عن طريق الجبر و الاکراه، و له أحياناً جانب سلبي فيمنع الانسان شاء أم أبى من القيام بعمل معين. التقدير بهذا المعنى ـ فى أفعال البشر الاختيارية ـ ليس إلاّ اسطورةً، بل يجب البحث عن حقيقة التقدير في دائرة الحياة، و لا يجب أبداً تصور صانع لذلک الواقع غير الانسان و إرادته. يصعب جداً على الطائفة التي قد تلوث ذهنها بالتفاسير غير الصحيحة للقضاء و القدر تصديق الرأى القائل: «ليس لدينا في عالم الکون عامل باسم القضاء و القدر في عرض سائر العوامل ليعرض نفسه أو يترک أثراً سلبياً أو ايجايباً على إرادة الانسان» لأنّ هؤلاء الأفراد اعتادو انقل أغلب الاشتباهات و القصور بل الکثير من تقصيراتهم الى عامل آخر خارج عن دائرة الحياة باسم «القضاء و القدر» و تحميله المسؤولية، فيتهربون من جميع أنواع المسؤوليات الملقاة على عاتقهم. اليوم نتناول مسألة «الجبر في التاريخ» بدل القضاء و القدر وسط مجموعة من الاوربيين و المستغربين ليلقى عليها أغلب القصور.لکن يتضح للناس الواقعيين و طلاب الحقيقة أنّه ليس للتقدير الالهي أثر مفروض على إرادة الانسان يتضح هذا الموضوع ببيان السنن الالهية في عالم الکون التي تبين حقيقة القضاء و القدر.  التقدير الالهي:کلما اطلعنا على التقادير الالهية سنرى عدم وجود عامل و محرک في صفحة الوجود باسم القضاء والقدر خارج عن دائرة الحياة و ارادة الفاعل المقصود من التقادير الالهية هي السنن القطعية الحاکمة علينا و على العالم و تأثير هذه السنن في سعادة و شقاء البشر ـ حسن العاقبة و سوء العاقبة ـ قطعي و لا يتخلف عنها، فنحن أحرار و مختارون في اختيار أي سنّة من تلک السنن لأجل إيضاح الموضوع انتبهوا الى الأمثاله التالية:1ـ التقدير الالهي للأمة التي تذعن للکسل و البطالة، و يختلف و يتنازع أفرادها مع بعضهم البعض، و تضيع و تهدر القوى الالهية في طرق مغلوطة، و لا تمتلک الوعي المتناسب مع الزمان و المکان، و تجهل أحوال أبنائها من خلال الانغماس في المصالح الفردية، هو تلاشيها و تحطمها آجلاً أو عاجلا. لکنّ تقدير الله جل و علا بشأن الأمة التي تفکر في محروميها و کادحيها، و تحاول تمتيعهم بحياة کريمة تليق بالبشر من خلال تقليل الفوارق الطبقية، و تسدد الحقوق التي جعلها الله تعالى في أموال الأثرياء لعلاج و ترميم حياة الفقراء و المساکين ـ الخلاصة أمة عطوفة و عادلة ـ هو أنّها تتمتع دائماً بالثبات و الاستقرار و الترقي و التقدم و التحرک و البناء، و هذان التقديران و اضحان و ملموسان جداً بحيث لا يمکن لأحد التشکيک فيهما. تتساوى جميع الأمم أمام هذين التقديرين، و ليس هناک أي عامل خارج عن إرادة الأمم يجبرها على اختيار أحد التقديرين، نحن هؤلاء الذين نختار أحدهما من خلال إطاعة الهوى أو حکم العقل، و على کل حال تکون النتيجة التي تعود علينا من هذا الانتخاب تقديره و قضاءه لأنّه هو الذي أوجد هذه السنن و أمضاها و جعلنا أحراراً في اختيار أي منها. 2ـ الشاب الذي ابتداأ حياته بامکانيات کثيرة و أعصاب حديدية و ذکاء و فهم مفعم،ينتظره تقديران و مصيران کلاهما قضاء إلهي حتى يختار أحدهما کلما وظف إمکانياته المادية و المعنوية لدراسة العلوم أو للتجارة سوف يمضي عمره بسعادة و سلامة لکنّه متى ما أساء استعمال ثرواته المادية و الفکرية، و استغل تلک الامکانيات في طريق شرب الخمر و لعب القمار و المعاصي الأخرى التي تؤدي الى فساد و ضياع حياته و عمره، قطعاً سيؤول مصيره بعد مدة الى بدن عاجز و مريض و أعصاب منهکة و يقبع في زواية من الحياة، و ينهي عمره بالألم و المرض، کلا التقديرن يرتبطان بالله تعالى، لکنّه حرّ فى انتخاب أحدهما، و النتيجة التي تحيق به من جراء انتخابه هي تقدير و إرادة الله اذا عاد من منتصف الطريق فقد استبدل مصيراً و تقديراً بدل الآخر و هذا أيضاً بتقدير الله، لأنّه هو الذي خلقنا و أذن لنا في العودة من منتصف الطريق و الندم على ما فعلنا، و فى النتيجة استبدلنا تقديراً بدل الآخر. 3ـ اذا راجع الشخص المريض الطبيب و استعمل الدواء يشفى، و اذا لم يذهب الى الدکتور أو لم يستعمل الدواء فإما أن يموت أويکون عليلا و مريضاً في إحدى الزوايا، على کل حال، کلا التقديرين. بحکم الله و انتخاب أحدهما يقع على عاتقنا، و أياً کان انتخابنا يکون أثره بحکم الله و قضائه.تستطيعون أنفسکم أن تجدوا مئات الأمثلة للقضاء و القدر المرتبطة بأفعال البشر من خلال مراجعة السنن الالهية في عالم الخلقة لتحصلوا على معنى القضاء و القدر في أفعال الانسان. أحاديث الأئمة الکرام:ما بيّن من خلال طرح تلک الأمثلة هو في الواقع شرح للأحاديث التي وصلت إلينا من أئمة الاسلام و العظام ـ أي أولئک الذين طرحوا علينا مسألة القضاء و القدر ـ يقول النبي الکريم(صلى الله عليه وآله) : «خمسة لا يستجاب لهم: أحدهم رجل مرّ بحائط مائل و هو يقبل اليه و لم يسرع المشي حتى سقط عليه» (2).علة عدم استجابة دعاء هکذا انسان واضحة، لأنّ مصير من عبر أمام حائط مائل و لم يهرب هو الموت، لکنّه استقبل هذا المصيره باختياره بينما کان يستطيع اختيار مصير آخر. إنّ أميرالمؤمنين عدل من عند حائط مائل الى حائط آخر فقيل له يا أميرالمؤمنين: أتفر من قضاء الله؟ فقال: «أفرّ من قضاء الله الى قدر الله» (3). أنا حرّ فى انتخاب أحدهما، اذا جلست تحته و انهار علىّ و متّ فهذا حکم القضاء، و اذا فررت و بقيت حياً فذلک بحکم القضاء و القدر أيضاً. عندما سئل الامام الرضا(عليه السلام) ما هو قضاء الله المتعال حول الافعال الحسنة و القبيحة لعباده؟أجاب الامام(عليه السلام): «ما من فعل يفعله العباد من خير و شر إلاّ و لله فيه قضاء» ثم يفسر الامام(عليه السلام) هذا القضاء ـ الشامل لجميع أفعال العباد الأعم من الخير و الشر ـ بالنتائج التي يبتلى بها الانسان في الدنيا و الآخرة و يقول: «الحکم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب و العقاب في الدنيا و الآخرة» (4).توضح هذه الأحاديث الحقيقة التي ذکرناها عن القضاء و القدر و تبين أنّ القضاء الالهي لو نثر بذور المحبة و البر فسوف يرى نتائجه الايجابية و الحسنة بمقتضى القضاء الالهي، و لو غرص شجرة النفاق و السوء فسوف يتذوق ثمارها النکدة و کلاهما بتقدير الله تعالى، فلا يخرج أي عمل حسن أو قبيح عن دائرة القضاء و القدر.مصير المسلمين في صدر الاسلام تعلم المسلمون في صدر الاسلام مسألة القضاء و القدر ـ على أثر الالهام من الوحي بحيث لم يعتبروا وجود أي مخالفة و منافاة بينه و بين حرية البشر في تقرير مصيره کُتب فى الفتوحات الاسلامية أنّ الخليفة الثاني وصل الى سواحل الشام، ثم أخبر عن شيوع مرض الطاعون فيها، فقال له أصحابه: عد بنفس الطريق الذي جئت به، و کان رأيه هذا أيضاً، و لما اعترض عليه أحد الحاضرين و قال: هل تفرمن قضاء الله؟فأجابه قائلا: بأمر الله أفر من قضاء الى آخر! و قال أحد الحاضرين مؤيداً رأي الخليفة: سمعت النبي(صلى الله عليه وآله)يقول: لا تدخلوا مکاناً شاع فيه الطاعون،و لو کنتم فيه فلا تخرجوا منه (لئلاتسببون العدوى اللآخرين) (5)يتضح من هذا البيان أنّ الاعتقاد بمسألة القضاء و القدر ليس دليلا على نفي الاختيار و الحرية و الارادة، و تفصل بين مسألة القضاء و القدر و مسألة الجبر آلاف الفراسخ، و اذا اعتبر عدد من المستشرقين نتيجة الاعتقاد بالقضاء و القدر جبراً آخر، فذلک لعدم إطلاعهم على المعارف الاسلامية الرفيعة و الراسخة، لقد تکلم أولئک في مواضيع لم يکن لهم حق التحکيم فيها. يقول «آلبرماله» في تاريخه: «لم يکن في الاسلام في أيامه الأولى سوى الاعتقاد بوحدانية الله و رسالة محمد، لکن في الفترة اللاحقة قال متکلموا الاسلام أنّ الله يحدد مصير الأشخاص و لا يمکن تغيير مشيته و يسمون هذه الطريقة الجبر» (6).يقول «جوستاولبون» في مقام الاعتذار بعد سلسلة من الأحاديث حول القضاء و القدر في الاسلام و أنّ نتيحته جبر آخر: «الآيات الواردة في القرآن بشأن القضاء و القدر ليست أکثر من الآيات المذکورة في الکتاب المقدس بهذا الخصوص» (7).إنتشار هکذا تهم و استنتاجات خاطئة بين الاوربيين دعت «السيد جمال الدين الأسد آبادي» الى کتابة رسالة في الدفاع عن مسألة القضاء و القدر أثناء إقامته في باريس، ثم نشرها في أسبوعية «العروة الوثقى»، يقول في رسالته:«اعتقدت هذه الفرقة من الأوربيين أنّه لافرق بين القضاء و القدر و الاعتقاد بمذهب الجبر، و الانسان في ضوء اعتقاده بالقضاء و القدر کالجن المعلق في الهواء تلعب به الريح و تنقله من جهة لأخرى، الاعتقاد بالقضاء و القدر يؤدي الى کون الانسان لا يملک اختياراً وإرادةً في فعله و قوله و سکوته و حرکته، و يسلم زمام أموره بيد قوة صلبة و قمعية، هکذا أمة لاتستعمل کامل قواها الطبيعية، و تفتقد الى دوافع العمل و الاجتهاد، و بهذه الحالة تسير من عالم الوجود الى العدم...!» (8).  1. سورة النجم، الآية 39.2. بحار الانوار، ج5، ص105 بالنقل عن خصال الصدوق.3. توحيد الصدوق، ص 369.4. عيون أخبار الرضا، ص78، بحار الانوار، ج 5، ص 12.5. تاريخ الطبري، ج ّ، ص 57، طبعة دار المعارف، و شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد، ج 8، ص 300.6. تاريخ آلبرماله، ج 3، ص 99.7. حضارة الاسلام و العرب، ص 141.8. العروة الوثقى، ص 50 ـ 51.

المؤلف:

5  / هل الله قوة؟

5 / هل الله قوة؟

الجواب:التعبير عن الله تعالى بالقوة غير صحيح أبداً، لأنّه يمکن أن يُشتبه بينه و بين القوى الطبيعية للکون، الله وجود غير متناه من جميع الجهات، و قد کان و مازال موجوداً في کل مکان، و صفاته ليست کصفات موجودات الطبيعة.نبّه علماء الاسلام مراراً في کتب «العقائد و المذاهب» بوجوب الإجتناب عن إستعمال الألفاظ التي تُشم منها رائحة التجسم و المادية، و ذلک لتنزيه الباري جلّ و علا عن جميع أنواع التشبيه بالأمور المادية، لذا يجب الإبتعاد عن إستعمال لفظ القوة فيما يتعلق بالله، و من هذه الناحية يجب القول: أنّ الله ليس بقوة، بل هو أرفع من المادة و القوة و الطاقة، و الخالق لجميع ذلک. 

المؤلف:

4 / هل يمکن إدراک الذات المقدسة لإله العالم؟

4 / هل يمکن إدراک الذات المقدسة لإله العالم؟

الجواب:للإجابة على هذه الأسئلة و ما شابهها، نلفت إنتباه القراء الأعزاء الى النقاط التالية:أثبت في بحثو معرفة الله و صفاته أنّ الله تعالى وجود غير متناه أي بلا نهاية و غير محدود من جميع الجهات: غير محدود من جهة الوجود، غير محدود من جهة العلم و القدرة، غير محدود من جهة الزمان و المکان، لايوجد مکان ليس فيه الله، و لا زمان لا يوجد فيه الله، لاشيء لايعلمه الله، و لا عمل لايستطيع أداءه (غير الممکن ذاتاً له بحث آخر طبعاً).بناءاً على ذلک الله هذا وجود مطلق و غير محدود و لامتناه في جميع الجهات، و هذا مبدأ رئيسي في جميع البحوث المتعلقة بصفات الله جل و علا، و غالباً ما يستند العلماء على هذا المبدأ في إثبات صفات الله تعالى.بغض النظر عن وجود الله، کل شيء في هذا الکون محدود من جهة الزمان و المکان، أو محدود من جهات أخرى.بديهي أن لايتسطيع الموجود المحدود إدراک الوجود غير المحدود کما هو أبداً، لذا نقول إدراک الذات المقدسة لله تعالى کما هي غير ممکن للبشر علمنا بذلک الوجود اللامتناهي علم إجمالي، نعلم أنّه موجود، نعلم أنّه ذو علم و قدرة، نعلم أنّ لديه جميع صفات الکمال، لکنّنا نجهل خصوصيات کونه و علمه و قدرته (و بعبارة أصح نجهل کنه ذاته و صفاته).ليست الذات الالهية مجهولة بالنسبة لنا فحسب، بل إنّنا نجهل حقائق الکثير من الموجودت المحيطة بنا في هذا العالم.فلم يدرک البشر حقيقة الحياة أبداً کنه قسم کبير من الموجودات غير واضح بالنسبة لنا، نحن نعرف أولئک من خلال آثارها الخاصة فقط، و نجهل ذاتها و هيتها الواقعية، توقع الاطلاع على واقع جميع أشياء العالم من البشر المحدود و المجهز بوسائل محدودة جداً توقع في غير محله.فکرنا کالمکيال المعين و الذات الالهية غير المحدودة کالمحيط الامتناهي، هل يمکن وضع المحيط في مکيال معين؟من جهة التصور لايمکن لأي محاط أن يدرک الوجود المحيط به من جميع الجهات.هل يستطيع الجنين (لوکان له عقل) أن يتصور و الدته و هيئتها و بقية مواصفاتها؟کلا طبعاً لأنّه على رغم أنّ کليهما محدودان، لکنّ الجنين محاط و الأم محيطة به فمع هذا کيف يمکن توقع إحاطة الانسان بذات الإله غير المتناهية و إدراک حقيقته وکنه ذاته؟!

المؤلف:

3 /  کيف يمکن أن نعتبر الکون غير المحدود منظماً مع أنّ العلم محدود؟

3 / کيف يمکن أن نعتبر الکون غير المحدود منظماً مع أنّ العلم محدود؟

الجواب:نحن لانقول أبداً بالتقدم الملفت للعلم تنکشف جميع أسرار هذا الکون للبشر، و تُحل کل ألغاز عالم الخلقة بل کما يقول العلماء: «بمقدار إزدياد حجم معلومات البشر تزداد مجاهيله بنفس المقدار» و نحن نريد أن نثبت أنّ لهذا العالم (و بمقدار ماکشفه العلم و بيّنه) نظاماً حکمياً و محيراً لکنّنا لانريد أن نصدر حکماً بشأن ما بقي مستوراً بنظر العلوم.نحن نقول أنّ هذه الدائرة التي أنارها العلم مليئة بالنظم و الحساب، على رغم أنّ هذه الدائرة تعادل صفراً أمام مجموع أسرار الکون، لکنّها دائرة واسعة و ملفتة بالنسبة الى نفسها.هذا المقدار کاف لإثبات وجود الله العليم الحکيم لأنّه لايمکن إعتبار الواحد من المليارد من النظم الذي بيّنه العلم معلولا للصدفة و الطبيعة الفاقدة للشعور بل يمکن جعل ذلک نموذجاً من باقي نظام عالم الکون. لابأس بالالتفات الى هذا المثال ليتضح المطلب أکثر: أفرضوا أنّنا حصلنا على کتاب ضخم جداً يتعلق بالأزمنة الغابرة في قبو تحت الأرض، و بعد سنوات من السعي و المحاولات المستمرة و بالإستعانة بمئات الکتب الأخرى و الأساتذة ننجح في فهم عدة صفحات منه فقط، و هذه الصفحات القليلة مليئة بالحقائق و الأسرار العظيمة، بل نعتر في کل سطر على نکات زاخرة بالمعاني و مطالب رفيعة و قيمة تحکي عن لب قدير جداً و علم غزير.فعلى رغم أنّنا نجهل باقي مطالب الکتاب المذکور و لانعلم صحتها من سقمها، لکنّنا نستطيع أن ندرک إجمالا من هذه الصفحات القليلة أنّ هذا الکتاب نتاج نابغة في العلم و عالم بارز و جدير، بل يمکن أن نفهم من هذه الصفحات إجمالا أنّ هناک آلاف الأسرار و النکات القيمة مازلنا لانملک الجدارة لإدراکها في الصفحات غير المقرؤة من الکتاب

المؤلف:

2 / هل يعتبر نظم الکون دليلا على کونه مخلوقاً؟

2 / هل يعتبر نظم الکون دليلا على کونه مخلوقاً؟

الجواب:کما قيل إنّ برهان النظم أوضح دليل على وجود الله، لأنّه يُرى في کل جزء من الموجودات نظم و خطة و حساب، و کل موجود بهذا الشکل دليل على صدوره من مبداء عليم و قدير.لکنّ البحث حول أنّه هل مدير موجودات هذا العالم و منظمها قد خلقها من العدم؟ بحث آخر أثبت في مبحث معرفة الله عن طريق عدم کون المادة أزليةً لأنّه عندما أثبت أنّ المادة لايمکن أن تکون أزليةً فلابد أن يکون لها خالق وموجد قد أوجدها من العدم.الخلاصة أنّ برهان النظم يثبت حکومة الباري تعالى على عالم الکون فقط، أما مسألة إيجاد الموجودات من العدم فتُثبت بدليل عدم کون المادة أزلية.أثبت فلاسفة العالم حدوث المادة عن طريق الأدلة الفلسفية، و بعد إکتشاف القانون الثاني «الثرموديناميک» (الدينامي الحراري)، و القانون الحراري المسمى «آنتروبي» (شيخوخة العالم و قلة الحرارة و أنّ جميع الأجسام تتجه من الحرارة الى البرودة) أصبح حدوث المادة من المسائل الواضحة للعلوم الطبيعية.هذا بحث مختصر بهذا الشأن:أول شخص أدرک حدوث المادة و الطاقة عن طريق العلوم الطبيعية و أثبت أنّ عالم الخلقة له بداية هو إسحاق نيوتن. إستنتج نيوتن من مطالعاته أنّ العالم يتجه من النظم و الترتيب نحو اللانظام و الانحلال، و سوف يصل يوم تتساوى فيه حرارة جميع الأجسام. إستنتج من هذا أنّ العالم يجب أن تکون له بداية، ثم اعتقد من خلال مطالعاته للحرارة أنّ في جميع التغييرات الحاصلة على الحرارة يستبدل قسم من الطاقة المفيدة الى طاقة غير قابلة للاستفادة، و لاتتبدل الطاقة الغير قابلة للاستفادة الى طاقة مفيدة أبداً (و هذا هو القانون الثاني الثرموديناميک أو الدينامي الحراري).أدرک العالم الذکي «بولتزمن» من خلال معلوماته الرياضية الواسعة أنّ القانون الثاني للحرارة و الحرکة حالة خاصة لقانون عام، و يشير الى أنّه في جميع الإنتقالات يضمحل جزء من النظم و الترتيب، و في مورد الحرارة يزول نظم و ترتيب الذرات و تتلاشى خطة الخلقة بواسطة تبديل الطاقة المفيدة الى طاقة غير قابلة للاستفادة.الشرح هو أن نقول: حسب القانون الثاني للثرموديناميک، أي قانون الحرارة المسمى «آنتروبي» تسري الحرارة من الأجسام الحارة نحو الأجسام الباردة، و لايمکن لهذا السريان أن يحصل بصورة معکوسة تلقائياً.في الحقيقة إنّ «آنتروبي» عبارة فى نسبة الطاقة الغير قابلة للاستفادة الى الطاقة المفيدة، و من جهة أخرى في العلم مسلم أنّ «آنتروبي» في حالة تزايد فإذا کان العالم أزلي و ليست له بداية فإنّ حرارة الأجسام يجب أن تکون قد تساوت مندزمن، ولم تبق هناک طاقة مفيدة، و في النتيجة لايحصل أي تفاعل کيمياوي، و تصبح الحياة على الارض غير ممکنة، لکنّنا نشاهد إستمرار التفاعلات الکيمياوية، و الحياة على الارض تتجلى بمشاهد و صور جديدة.الخلاصة: العالم مقبل على وضع تصل فيه جميع الأجسام الى درجة رديئة متشابهة و سوف لن يکون هناک طاقة تستعمل و تصبح الحياة غير ممکنة، فإذا لم يکن للعالم بداية و کان موجوداً من الأزل، کان يجب أن ينطفأ النظام الشمسي منذزمن بعيد، و لإنتهى وقود الشمس، و لظهرت جميع موجودات النظام الشمسي - و من جملتها الأرض و سکانها - بحالة من الخمول و الذبول، و لما وجد أي عنصر إشعاعي النشاط أصلا. 

المؤلف:

1 / کيف يمکن أن يکون العدم منشأً للوجود؟

1 / کيف يمکن أن يکون العدم منشأً للوجود؟

الجواب:السؤال المذکور أحد إشکالات الماديين، فبما أنّهم يعتبرون المادة قديمةً و أزليةً، و يقولون أنّ المادة غير مسبوقة بالعدم، لذا يفرّون من الإشکال المذکور و يوجهون السؤال إلينا، يقولون: حينما تکون مادة الأجسام غير موجودة ثم توجد بعد ذلک، کيف خُلق الوجود من العدم و أصبح العدم منشأً للوجود؟جواب هذا السؤال هو أنّ الماديين لم يدرکوا ما قاله المؤمنون في عبارة «خلق الله العالم من العدم» بصورة صحيحة، و تصوروا أنّ لفط «من العدم» کلفظ «من الخشب» أو «من الحديد» في الأمثلة التالية:مثلا يقولون: هذا الباب و هذه النافذة من الخشب، الآلات من الحديد، هذا البيت من الحجر و الطين، فالخشب و الحديد و الحجر في هذه الأمثلة علل مادية طبعاً، و تشکّل المادة في هذه الثلاثة الباب و النافذة و الآلات و البيت،فالأشياء المذکورة وجدت من تلک المواد، فتعتبر المادة أساساً لها.في الوقت الذي لايقصد الفلاسفة الإلهيون من عبارة «خلق الله العالم من العدم» أنّ العدم منشأ و أساس للوجود، و هو المادة المکونة للوجود، بل المقصود أنّ العالم لم يکن موجوداً ثم وجد، بدون أن يکون للعدم أدنى تأثير في إيجاد الوجود.نقول بوضوح: بما أن الماديين يعتبرون ذرات العالم قديمةً و أزليةً و غير مسبوقة بالعدم، و عقيدة العلماء الإلهيين في النقطة المقابلة لأولئک تماماً ـ أي يعتبرون جميع الذرات حادثةً و مسبوقةً بالعدم - لذا يستعملون عبارة «خلق الله العالم من العدم» لتفهيم وجهة نظرهم، و يقولون: وجد العالم من العدم، أي لو تصفحنا أوراق الکون وعدنا الى الخلف، سوف نصل الى نقطة تنتهي فيها الأوراق ولن نجد أثراً للکون هناک.حلّ الاشکال هو ما قيل آنفاً، و إذا غضضنا النظر عن حديثنا السابق فإنّ نفس هذا الإشکال سوف يتوجه الى الماديين أيضاً، لأنّ ما هو قديم بنظر أولئک هو المادة و ذرات العالم، أما الصورة و الأشکال الحاصلة من ترکيب هذه الذرات فهي حادثة و مسبوقة بالعدم قطعاً، و حسب الإصطلاح أوجدت من العدم.مثلا تملک الميارات من النباتات و الحيوانات صوراً جوهريةً و أشکالا خاصةً نشأت من ترکيب و تفاعلات الذرات ما يمکن أن يکون قديماً و أزلياً من الانسان والحيوان و النبات و الکواکب من وجهة النظر المادية هو الذرات غير المنتهية، و أما الصورة الانسانية الخاصة و الشکل الحيواني و النباتي لکل فرد من تلک فهي حادثة، أي لم تکن موجودةً ثم وجدت.مثال آخر: أنت تمسک القلم بيدک و ترسم صورةً على اللوحة، فما کان موجوداً سابقاً هو مادة الصورة (المداد و اللون) لاالصورة، فهي لم تکن موجودةً ثم وجدت، لذا نحن نسأل نفس السؤال من الماديين حول وجود الصور و نقول: کيف وجدت هذه الصور الجوهرية (کالإنسان الخارجي) و العرضية (کالصور المرسومة على الألواح) من العدم، فما يقوله الماديون بشأن إيجاد هذه السلسلة من الصور و الأشکال، سوف نقوله نحن بشأن إيجاد المادة.

المؤلف:

13/ فلسلفة البلايا

13/ فلسلفة البلايا

الجواب:حسب علمنا و شهادة الکتب التي ورثناها من أسلافنا العلماء، إنّ هذه الأسئلة کانت و ما زالت تدور في أذهان بعض أفراد البشر ـ خاصةً عند وقوع مثل هذه الحوادث تنشغل أفکار و أذهان هؤلاء أکثر من ذي قبل ـ، حتى أنّ تاريخ العقائد و الأديان يثبت أنّ عدم الحصول على الاجابة الشافية و الواقعية لهکذا أسئلة أدى أحياناً الى الانسياق وراء «العقيدة المادية» و «الالحاد» و الاعراض عن أصل «التوحيد و معرفة الله» لأنّهم نتيجةً للمطالعة السطحية و اصدار الاحکام المستعجلة أثناء و وقوع هذه الحوادث يرونها بشکل مرعب و مکروه، و يعبرون عنها أحياناً بغضب الطبيعة و خصامها! في الوقت الذي نستنتج غير ذلک لو نظرنا الى شکلها الواقعي بنظارة العقل و الفکر.  الشرح:حکمنا على النفع و الضرر للأشياء نسبي دائماً، و نعتبر ما ينفعنا حسناً و مفيداً، و ما يضرنا سيو مضر، و لا نلتفت أبداً الى أنّ الحادثة الفلانية التي ترکت أثراً سيئاً علينا تمتلک آثاراً مثمرةً في الوقت الذى تعتبر دواءاً شافياً بحق الآخرين و بالعکس... لکن هل يمکن أن يکون نفعنا و ضرنا ملاکاً لجودة وردائة الشي الموجود أو الحادثة المعينة، أو يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار و قبل إصدار الحکم النهائي مجموع تأثير هذه الحادثة من جميع الجهات و نطالعها بصورة عمومية؟إلتفتوا الى المثال التالي البسيط لا تضاح هذه الحقيقة:عندما يهطل المطر الشديد فستکون له فوائد و أضرار قطعاً، و يختلف حکم الناس على ذلک، فالأشخاص الذين تهمدت بيوتهم أو تلفت مزارعهم من جراء السيل يتضرعون و يقولون: لا أعرف لماذا أصابني هذا البلاء فجأةً!و يقول الآخرون الذين يشکون نقص الماء في حدائقهم و مزروعاته هم قد أدت هذه الأمطار الى امتلاء أنهارهم و قنواتهم: بخ بخ! ما أعظمها من نعمة، لقد شملنا الله تعالى بألطافه. لکن لو نظر الى مجموع تأثير هذه الأمطار لسميت جميعها «أمطار الرحمة» لا غضب الطبيعة. بالاضافة الى أنّ بعض البلايا نعمة کبيرة لکنّنا نغفل عن حقيقتها مثلا بعض الأوبئة و الأمراض التي تصيب الانسان مرةً واحدةً في عمره، فانّ من جملة آثارها أنّها توجد مناعةً دائمةً لدى الشخص بعدم إصابته بذلک الوباء أو ما يشبهه. اذا نظرنا الى لحظة الابتداء و الاصابة، فسوف نسمي ذلک بلاءاً بينما لوأخذنا آثاره على تمام العمر بنظر الاعتبار فسنعتبره نعمةً قطعاً. العلة الأخرى لوقوع البلايا إدارک وجود النعم. لا يمکن إنکار أنّنا نسبح في بحر من النعم و المواهب الالهية، لکننّا لا نشعر بوجود أغلب تلک النعم إلاّ إذا سلبت تلک النعمة منا بصورة مؤقتة. تصوروا لو لم يوجد مريض فى العالم فکيف نستطيع أن ندرک أنّ السلامة و الصحة نعمة کبيرة! أو اذا لم يوجد الظلام، کيف يمکننا أن نفهم أنّ الأمواج الضوئية للشمس التي تغطي ربوع العالم في النهار نعمة عظيمة و ثمينة! اذا لم تهتز الأرض ـ مهد الحياة ـ قليلا تحت أرجلنا بين الفينة و الأخرى هل کنا نعلم معنى استقرار الأرض! و اذا لم يحصل القحط و الجدب أحياناً هل کان من الممکن أن نلتفت الى الدور الرئيسي للأمطار في حياتنا!.بناءاً على هذا، لکي يدرک البشر نعم و مواهب الحياة اللامتناهية و يلتفت إليها و يشکر و يثني على الله تعالى الواهب لها، يقع تغيير بسيط فيها بين الحين و الآخر ليوقفنا على هذه الحقيقة العظيمة و القيمة. نحن نطلق لفظ «البلاء» على هذه التغييرات البسيطة و المؤقتة.مع الالتفات الى هذه النقطة، ألا يکون هذا البلاء درساً تعليمياً للمجتمع الانساني، و هل من العجيب أن نطلق عليه و نسميه « نعمة کبيرة».أما لماذا تحدث هذه البلايا في بعض نقاط العالم... و لماذا تصيب بعض الناس فقط...؟يجب الالتفات الى أنّ للبلايا منشأ طبيعى أيضاً، أينما توفرت الشروط و الظروف المناسبة يقع البلاء.أحد أدلة نزول البلاء ـ کما جاء في بعض الروايات أيضاً ـ شيوع بعض الکبائر من الذنوب بين الناس نقرأ في دعاء کميل: «اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم، اللهم اغفرلي الذنوب التي تنزل البلاء!».يقول القرآن الکريم أيضاً: «واتقوا فتنةً لا تصيبنّ الذين ظلموا منکم خاصةً» (1)  1. سوره الانفال، الآية 25.

المؤلف:

12 / ما هو البداء؟

12 / ما هو البداء؟

الجواب:أصبح موضوع «البداء» للأسف ذريعةً عجيبةً لبعض مخالفي الشيعة و حتى بعض مخالفي الاسلام أولئک بدون أدنى تحقيق حول هذا المطلب في کتب کبار الشيعة و علماء «عقائد و مذاهب الاسلام» تمسکوا بهذه الکلمة فقط و کتبوا و فسروا ذلک بتفاسير لاتمت الى عقائد الشيعة بأدنى صلة، و نسبوا لنا مطالب مشکوکة و عارية عن الحقيقة.لاتصدر هذه التفاسير غير اللائقة طبعاً عن عالم و محقق (حتى من المخالفين)، بل ذلک من عمل المتعصبين و المعاندين الذين يبحثون عن ذريعة و دليل ملفق ليؤدوا أغراضهم في ظلها، أولئک يفکرون دائماً و يحاولون سماع کلمة من الطرف المقابل ليتمکنوا من تفسيرها تفسيراً مضلا و في غير محله و يستعملوها للدعاية المسمومة و إثارة حرب نفسية، و لفظ «البداء»من ضمن هذه الألفاظ.على کل حال لاتضاح حقيقة معنى کلمة «البداء» بنظر الشيعة، يکفي الالتفات الى هذا البيان البسيط و المختصر(1)أصل کلمة «بدا» في اللغة العربية تعني الانکشاف و الانجلاء، يقول القرآن الکريم بشأن الظالمين: «و بَدا لهُم سيئاتُ ما عملوا».(2)يقال أحياناً في اللغة العربية: بدا من فلان کلام فصيح أي صدر منه کلام فصيح، و توضع اللام أحياناً بدل «من» فيقولون: بدا لفلان کلام فصيح، و معنى هذا نفس معنى الجملة الأولى تماماً أي صدر منه کلام فصيح.الآن و بعد أن عرفنا معنى جملة «بدا لفلان» و أمثالها نعود الى صلب الموضوع:کثيراً ما يحصل أن تتهياً مقدمات عمل معين بنظرنا من جميع الجهات، ثم تصدر حوادث مفاجئة تلغي ذلک الموضوع و تمنعه فيقال هنا: لم يشأ الله أن ينجز هکذا موضوع و من الممکن أن تستعمل کلمة «البداء» هنا فيقال: «بد الله أنّه لايريد هذا».بناءاً على هذا ليس المراد أنّه بد الله حتى يستلزم الجهل بالقدر الثاني، بل المقصود بدا و انکشف من الله لنا.بديهي أنّ هذا المطلب لإاشکال فيه، و هو موضوع يقع لکل شخص في طول حياته مرات متعددة، فتحدث أمور خلاف المتوقع، هذه هي «حقيقة البداء».لنرى الآن کيف امتزج هذا الموضوع مع عقائدنا الدينية و ارتبط بها؟نحن نعتقد (و تشهد آيات القرآن الکريم و الروايات أيضاً بذلک) أنّ مقدمات البلاء و المصائب کثيراً ما تجتمع و تتهيأ و يمکن أن يتوقع ذلک، لکنّ الناس يتوجهون الى الله بالدعاء و ينصرفون عن الأعمال المحرمة و الباطلة، يحسنون الى بعضهم و يعملون البرو والاحسان فيدفع الله الشقاء و التبرم عنهم ببرکة هذه الأعمال، هذا أحد موارد البداء.و أحياناً يحصل العکس، تتهيأ مقدمات النعمة و السعادة فيرتکب الناس أعمالا تقلب الأوراق على أثرها، و هذا هو البداء.کثيراً ما يحدث أن يتغير مصير الانسان على أثر أعماله الحسنة و القبيحة، و هذه أحد إفتخاراتنا بأنّنا نعتبر مصيرنا مرتبط بأعمالنا.يمکن أن يقال أنّ ما قيل من حدوث البداء لله في هذه الموارد ناظر الى الظاهر و يعبر عن رأينا و حساباتنا، لأنّ الانسان يتصور نتيجة التقييد الذي لديه أنّ الحادثة الفلانية ستقع قطعاً، أولن تظهر الى الوجود حتماً، و لما يشاهد خلاف ذلک و يرى أنّ حساباته کانت مغلوطةً و خاطئةً يقول بالقياس الى فکره: حدث لله بداء في الوقت الذي أنّ ما يليق بمنزلته ليس «البداء» بل «الابداء» أي إظهار ماکان مختفياً بالنسبة لنا.الخلاصة وقوع الحوادث المفاجئة و غير المتوقعة بنظرنا «بداء»، أي أنّ الشيء کان مختفياً ثم ظهر و انکشف لکنّ ما يليق بالله هو «الابداء» أي الاظهار، فيظهر الشيء الذي کان قد أخفاه، و استعمال البداء بدل الابداء بشأن الله نوع من القياس کما قيل.أما قضية إسماعيل ابن الامام الصادق(عليه السلام) فکانت کما قال الامام: «قُدر أن يقتل ولدي اسماعيل، دعوت الله و طلبت منه أن يدفع عنه شر الأعداء، لقد استجاب الله دعائي ولم يقتل ولدي، ثم بدا لله في اسماعيل» هذا مضمون الحديث الذي نقل في العديد من کتب الشيعة، و معنى هذا الحديث بالنظر الى التفصيل المتقدم واضح جداً، فلم يکن يرتبط بمسألة إمامة اسماعيل و لا بندم الله!لکن و کما قلنا هناک أفراد متعصبون و معاندون يحاولون استغلال کل تيار ليبثوا سمومهم تذرعوا بکلمة «بدا» و قالوا: «الشيعة يعتقدون أنّ الله يندم أحياناً على عمله و يعيد النظر کما کان من المقرر أن يصبح اسماعيل إبن الامام الصادق(عليه السلام) إماماً ثم ندم!» هذا في الوقت الذي يعتبر علماء الشيعة کل من اعتقد بذلک کافراً.أين هذه التهمة و أين عقائد الشيعة! لايُعلم لماذا لم يقم هکذا أفراد بمطالعة ولو کتاب واحد من کتب علماء و محققي الشيعة ليدرکوا الحقيقة و ليعلموا أولا: ما معنى «البداء»، و ثانياً: ما هي قصة السيد اسماعيل!.نأمل أن تزول سحب التشاؤم و التعصب من أفق سماء الاسلامو أن يختتم بث السموم من قبل الجهال و المتعصبين و التي تعتبر أساساً لتفرقة و تشتيت صفوف المسلمين.  1. هذا البيان خلاصة کلام محققي و کبار و علماء الشيعة في هذا البحث، خاصةً العلامة الجليل و المتکلم و الفقيه المشهور الشيخ المفيد في کتاب «أوائل المقالات»، و شرح رسالة «اعتقادات الصدوق» تحتوي على تصريحات بعنوان بيان عقيدة علماء الشيعة ترفع کل إبهام في هذا المجال.2. سورة الزمر: الآية 48.

المؤلف:

11 / العلم الأزلي و أعمالنا

11 / العلم الأزلي و أعمالنا

شرح السؤال: يعلم الله من الأزل بما يحدث بالتدريج في عالم الکون، فهو مطلع منذ اليوم الأول لدوران الکواکب و المجرات في العالم في الفضاء غير المتناهي، و حرکة الألکترونات الغامضة في قلب النويات، و حرکة أوراق الأشجار في الحدائق و الغابات، و تلاطم أمواج مياه البحار، و حرکة الأسماک في قعر المحيطات.يعلم الله قبل خلق البشر أفعال الجناة و جرم المجرمين و سکر المدمنين على شرب الخمر و إراقة السفاکين للدماء، و يعلم ما يرتکب أي شخص في أي لحظة، في هذه الحالة لا مفر لأي فرد من الفعل الذي يعلمه الله سالفاً، و لا يستطيع مخالفته، لأنّه لو لم يرتکبه يصبح علم الله خلاف الواقع، و يصير علمه جهلا اصطلاحاً. الجواب:ما قيل في السؤال بشأن علم الله صحيح و منطقي جداً، يعني أنّ الله عالم بکل شيء منذ الأزل، لکنّ الاستنتاج (إذن يکون الانسان مجبراً على فعل کل شيء) باطل مائة في المائة و ليس له أساس.لايضاح الحقيقة هنا لابد من تبيين نقطتين:1- يحترم جميع عقلاء العالم حرية البشر في إرادته و اختياره لنوع العمل الذي يريد القيام به، و هم متفقون على ذلک، حتى أولئک الذين يلوحون بجبر البشر و يعتبرونه فاعلا مجبوراً يحترمون هذا المبدأ، فيعتبرون أنفسهم و الآخرين مختارين و أحرار في قسم من الأفعال، لذا کلما سمعوا حديثاً محقراً من أحد أو شاهدوا تقاعساً من أبنائهم في أداء الواجبات يستاؤن فوراً، و يتناسون موضوع الإجبار بشأن التحقير أو أبنائهم، فيبدأون بالضجيج و الصياح، و يعاقبون المتخلف.بناءاً على هذا يجب أن نقبل أنّ الشخص الجاني الذي يقتل شخصاً آخر بضربة السکين مثلا أو السکير الذي يشرب کؤوس الخمرة واحداً تلو الآخر يقومون بهذه الأعمال بحرية و اختيار و بدون جبر أو ضغط من داخلهم أو الخارج، و لا يستطيع ذو ضمير أن يقول أنّ القتل و السکر لهؤلاء الأفراد کالتنفس و هضم الطعام أمر غير إختياري و حتمي، و کما قيل فإنّ أولئک المنکرين لمبدأ «حرية الارادة» على أساس سلسلة من التخيلات، يغيرون عقيدتهم و سلوکهم تماماً عندما يتعرضون للتجاوز و الظلم، فيطلبون من مسؤولي القضاء أن يعاقبوا الظالم و المتجاوز.2- علم الله واقعي کما بُيّن و لا يتخلف عن الواقع قيد شعرة، لکن يجب الانتباه الى أنّ علم الله يتعلق بالأشياء بمالها من صفات و قيود في الخارج و بالخصوصية التي تحققت بها.الشرح هو: أنّ للبشر في طول الحياة نوعين من العمل الأول مجموعة من الأعمال التي تؤدى بإرادة و اختيار، و أبرز ما يميز هذا القسم من الأعمال هو «عمله الاختياري».النوع الآخر من الأعمال هو «الأفعال غير الارادية» أو «الاضطرارية»، مثل دروان الدم في الشرايين و دقات القلب و نشاط الجهاز الهضمي و... أبرز ما يميز هذه الأعمال هي أنّها «أفعال غير إختيارية».على أساس المبدأ المسلّم الذي ذکر ـ علم الله واقعي و لايتخلف عن الواقع قيد شعرة - يعلم الله من الأزل کل واحد من أفعالنا بخصوصياته في الخارج، يعني أنّ الله کان يعلم أنّ الفعل المعين سيصدر منّا في لحظة خاصة و بتمام الاختيار و الحرية، و کذلک کان الله يعلم بالقسم الآخر من أفعالنا من الأزل بأنّ الفعل المعين سيصدر منّا في ساعة معينة و بدون اختيار.بملاحظة هذين المطلبين اللذين يشکلان أساس الجواب إلتفتوا الى شرح الجواب:أثبت المطلب الأول أنّ قسماً من أفعالنا أفعال إرادية و اختيارية و نملک الحرية الکاملة لأدائها أو ترکها.کذلک أثبت المطلب الثاني بأنّ الله کما يعلم بأصل أفعالنا يعلم بخصوصياتها و صفاتها من حيث کونها إختيارية أو إضطرارية، و بعبارة أخرى تکون أفعالنا معلومة له بمالها من خصوصيات و مميزات في الخارج.نستنتج من هذين المبدأين حول أفعالنا الاختيارية أنّ الله کان يعلم من الأزل أنّ المجرم الفلاني سيقتل شخصاً بضربات السکين في ساعة معنية من اليوم الفلاني و بکامل اختياره و حريته.لايؤدي هذا العلم المسبق (علم الله الأزلي) الى سلب الحرية من الانسان أبداً، و لا يحق للجاني أن يتذرع بعلم الله الأزلي ليصور نفسه مجبوراً و مضطراً لارتکاب تلک الجناية، فصحيح أنّ الله کان يعلم من الأزل بأنّ الجاني سيرتکب هذه الجناية، لکنّه لم يکن مطلعاً على أصل هذا العمل فحسب بل کان يعلم أيضاً أنّ هذا الشخص سيرتکب هذه الجناية باختياره و حريته الکاملة. (تأملوا)فهکذا علم لايؤدي الى الجبر في الانسان فحسب، بل مؤيد و موضح لحرية الانسان، فبما أنّ علم الله لايتخلف من أي جهة و هو واقع لامحالة، لابد لذلک الشخص أن يقوم بعمله باختيار و حرية، و اذا فرضنا أنّه أجبر على القيام بذلک العمل ولم يکن ذا إختيار في أدائه، ففي هذه الحالة لايکون علم الله مطابقاً للواقع، بل سيکون جهلا.بعبارة أخرى: إذا فمنا بأعمالنا - الأعم من الحسنة و السيئة - باختيارنا سوف يکون علم الله مطابقاً للواقع، و اذا کفا مجبرين في أعمالنا سيصبح علمه مخالفاً للواقع.بيان أبسط: يمکن أن يکون ذلک البيان الفلسفي صعباً على البعض، في هذه الحالة نستعين بالمثال التالي لرفع الاشکال:الذين يجعلون «علم الله الأزلي» دليلا مثبتاً لجنايات المجرمين فيعتبرونهم معذورين في القيام بأنواع التجاوز و الظلم و ارتکاب القبائح و السيئات، هل يقبلون هکذا حکم في المثال التالي أيضاً:يستطيع أغلب الأساتذة و المدرسين التنبؤ و التکهن بمستقبل تلاميذهم، المعلم الذي يعلم بمقدار جد و اجتهاد و قابلية تلاميذه للامتحان يستطيع التنبؤ بنجاح أو رسوب الکثير منهم و يعطي رأياً صائباً.أفرضوا أنّ أستاذاً يعلم بتکاسل و تساهل أحد تلاميذه الذي يضيع الوقت عبثاً و يقضيه بما يضره أحياناً، و يرى عدم تأثير إشفاقه و تذکيره لهذا التلميذ، فما زال يلهو بإتلاف وقته في مراکز الفساد في هذا الوقت يستطيع الأستاذ المطلع على وضع تلميذه التنبؤ بسمتقبله قبل عدة أسابيع من بدء الامتحان، فيعطي رأيه الصائب و المطابق للواقع مائة بالمائة بصورة حاسمة، الآن يجب النظر الى عامل فشله في الامتحان ما هو؟ هل أنّ إطلاع المعلم على وضعه الدراسي کان سبباً لعدم موفقيته؟بحيث لو أنّ المعلم تنبأ بالعکس، هل کان من الممکن حصول غير هذه النتيجة و ينجح في الامتحان، أو أنّ فشله في الامتحان کان معلولا لتسامحه و کسله في أيام الدراسة حيث أنّه لم يفتح کتاباً طول السنة ولم يفعل سوى اتباع الهوى و الشهوات؟لايستطيع أي إنسان أن يعتبر تنبؤ و علم الأستاذ المشفق سبباً لفشله و رسوبه، بل يجب أن يعتبر التقصير من التلميذ نفسه فسبّب التسامح عدم موفقيته.في هذا المورد ما هو تقصير الأستاذ الذي و المشفق الذي اطلع على مصير تلميذه بذکائه، هل الحقيقة غير أنّ المتساهل و المتسامح رسم مصيره باختياره و ارادته و حريته، و وفر تمهيدات الشقاء برسوبه؟

المؤلف:

عدد الصفحات : 28