216 و من کلام له ع قاله بعد تلاوته
فهرست موضوعات
جستجو 
أَلْهاکُمُ اَلتَّکاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ اَلْمَقابِرَ یَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وَ زَوْراً مَا أَغْفَلَهُ وَ خَطَراً مَا أَفْظَعَهُ لَقَدِ اِسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَیَّ مُدَّکِرٍ وَ تَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَکَانٍ بَعِیدٍ أَ فَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ یَفْخَرُونَ أَمْ بِعَدِیدِ اَلْهَلْکَى یَتَکَاثَرُونَ قد اختلف المفسرون فی تأویل هاتین الآیتین فقال قوم المعنى أنکم قطعتم أیام عمرکم فی التکاثر بالأموال و الأولاد حتى أتاکم الموت فکنی عن حلول الموت بهم بزیارة المقابر . و قال قوم بل کانوا یتفاخرون بأنفسهم و تعدى ذلک إلى أن تفاخروا بأسلافهم الأموات فقالوا منا فلان و فلان لقوم کانوا و انقرضوا . و هذا هو التفسیر الذی یدل علیه کلام أمیر المؤمنین ع قال یا له مراما منصوب على التمییز . ما أبعده أی لا فخر فی ذلک و طلب الفخر من هذا الباب بعید و إنما الفخر بتقوى الله و طاعته .
و زورا ما أغفله إشارة إلى القوم الذین افتخروا جعلهم بتذکر الأموات السالفین کالزائرین لقبورهم و الزور اسم للواحد و الجمع کالخصم و الضیف قال ما أغفلهم عما یراد منهم لأنهم ترکوا العبادة و الطاعة و صرموا الأوقات بالمفاخرة بالموتى . ثم قال و خطرا ما أفظعه إشارة إلى الموت أی ما أشده فظع الشی‏ء بالضم فهو فظیع أی شدید شنیع مجاوز للمقدار . قوله لقد استخلوا منهم أی مدکر قال الراوندی أی وجدوا موضع التذکر خالیا من الفائدة و هذا غیر صحیح و کیف یقول ذلک و قد قال و خطرا ما أفظعه و هل یکون أمر أعظم تذکیرا من الاعتبار بالموتى و الصحیح أنه أراد باستخلوا ذکر من خلا من آبائهم أی من مضى یقال هذا الأمر من الأمور الخالیة و هذا القرن من القرون الخالیة أی الماضیة . و استخلى فلان فی حدیثه أی حدث عن أمور خالیة و المعنى أنه استعظم ما یوجبه حدیثهم عما خلا و عمن خلا من أسلافهم و آثار أسلافهم من التذکیر فقال أی مدکر و واعظ فی ذلک و روی أی مذکر بمعنى المصدر کالمعتقد بمعنى الاعتقاد و المعتبر بمعنى الاعتبار . و تناوشوهم من مکان بعید أی تناولوهم و المراد ذکروهم و تحدثوا عنهم فکأنهم تناولوهم و هذه اللفظة من ألفاظ القرآن العزیز وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ وَ أَنَّى لَهُمُ اَلتَّناوُشُ مِنْ مَکانٍ بَعِیدٍ و أنى لهم تناول الإیمان حینئذ بعد فوات الأمر
یَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ وَ حَرَکَاتٍ سَکَنَتْ وَ لَأَنْ یَکُونُوا عِبَراً أَحَقُّ مِنْ أَنْ یَکُونُوا مُفْتَخَراً وَ لَأَنْ یَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ أَحْجَى مِنْ أَنْ یَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ لَقَدْ نَظَرُوا إِلَیْهِمْ بِأَبْصَارِ اَلْعَشْوَةِ وَ ضَرَبُوا مِنْهُمْ فِی غَمْرَةِ جَهَالَةٍ وَ لَوِ اِسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْکَ اَلدِّیَارِ اَلْخَاوِیَةِ وَ اَلرُّبُوعِ اَلْخَالِیَةِ لَقَالَتْ ذَهَبُوا فِی اَلْأَرْضِ ضُلاَّلاً وَ ذَهَبْتُمْ فِی أَعْقَابِهِمْ جُهَّالاً تَطَئُونَ فِی هَامِهِمْ وَ تَسْتَنْبِتُونَ فِی أَجْسَادِهِمْ وَ تَرْتَعُونَ فِیمَا لَفَظُوا وَ تَسْکُنُونَ فِیمَا خَرَّبُوا وَ إِنَّمَا اَلْأَیَّامُ بَیْنَکُمْ وَ بَیْنَهُمْ بَوَاکٍ وَ نَوَائِحُ عَلَیْکُمْ أُولَئِکُمْ سَلَفُ غَایَتِکُمْ وَ فُرَّاطُ مَنَاهِلِکُمْ اَلَّذِینَ کَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ اَلْعِزِّ وَ حَلَبَاتُ اَلْفَخْرِ مُلُوکاً وَ سُوَقاً یرتجعون منهم أجسادا أی یذکرون آباءهم فکأنهم ردوهم إلى الدنیا و ارتجعوهم من القبور و خوت خلت . قال و هؤلاء الموتى أحق بأن یکونوا عبرة و عظة من أن یکونوا فخرا و شرفا و المفتخرون بهم أولى بالهبوط إلى جانب الذلة منهم بالقیام مقام العز . و تقول هذا أحجى من فلان أی أولى و أجدر و الجناب الفناء .
ثم قال لقد نظروا إلیهم بأبصار العشوة أی لم ینظروا النظر المفضی إلى الرؤیة لأن أبصارهم ذات عشوة و هو مرض فی العین ینقص به الأبصار و فی عین فلان عشاء و عشوة بمعنى و منه قیل لکل أمر ملتبس یرکبه الراکب على غیر بیان أمر عشوة و منه أوطأتنی عشوة و یجوز بالضم و الفتح . قال و ضربوا بهم فی غمرة جهالة أی و ضربوا من ذکر هؤلاء الموتى فی بحر جهل و الضرب ها هنا استعارة أو یکون من الضرب بمعنى السیر کقوله تعالى وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِی اَلْأَرْضِ أی خاضوا و سبحوا من ذکرهم فی غمرة جهالة و کل هذا یرجع إلى معنى واحد و هو تسفیه رأی المفتخرین بالموتى و القاطعین الوقت بالتکاثر بهم إعراضا عما یجب إنفاقه من العمر فی الطاعة و العبادة . ثم قال لو سألوا عنهم دیارهم التی خلت منهم و یمکن أن یرید بالدیار و الربوع القبور لقالت ذهبوا فی الأرض ضلالا أی هالکین و منه قوله تعالى وَ قالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِی اَلْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِی خَلْقٍ جَدِیدٍ . و ذهبتم فی أعقابهم أی بعدهم جهالا لغفلتکم و غرورکم . قوله ع تطئون فی هامهم أخذ هذا المعنى أبو العلاء المعری فقال
خفف الوطء ما أظن أدیم
الأرض إلا من هذه الأجساد
رب لحد قد صار لحدا مرارا
ضاحک من تزاحم الأضداد
و دفین على بقایا دفین
من عهود الآباء و الأجداد
صاح هذی قبورنا تملأ الأرض
فأین القبور من عهد عاد
سر إن اسطعت فی الهواء رویدا
لا اختیالا على رفات العباد
قوله و تستنبتون فی أجسادهم أی تزرعون النبات فی أجسادهم و ذلک لأن أدیم الأرض الظاهر إذا کان من أبدان الموتى فالزرع لا محالة یکون نابتا فی الأجزاء الترابیة التی هی أبدان الحیوانات و روی و تستثبتون بالثاء أی و تنصبون الأشیاء الثابتة کالعمد و الأساطین للأوطان فی أجساد الموتى . ثم قال و ترتعون فیما لفظوا لفظت الشی‏ء بالفتح رمیته من فمی ألفظه بالکسر و یجوز أن یرید بذلک أنکم تأکلون ما خلفوه و ترکوه و یجوز أن یرید أنکم تأکلون الفواکه التی تنبت فی أجزاء ترابیة خالطها الصدید الجاری من أفواههم ثم قال و تسکنون فیما خربوا أی تسکنون فی المساکن التی لم یعمروها بالذکر و العبادة فکأنهم أخربوها فی المعنى ثم سکنتم أنتم فیها بعدهم و یجوز أن یرید أن کل دار عامرة قد کانت من قبل خربة و إنما أخربها قوم بادوا و ماتوا فإذن لا ساکن منا فی عمارة إلا و یصدق علیه أنه ساکن فیما قد کان خرابا من قبل و الذین أخربوه الآن موتى و یجوز أن یرید بقوله و تسکنون فیما خربوا و تسکنون فی دور فارقوها و أخلوها فأطلق على الخلو و الفراغ لفظ الخراب مجازا . قوله و إنما الأیام بینکم و بینهم بواک و نوائح علیکم یرید أن الأیام و اللیالی تشیع رائحا إلى المقابر و تبکی و تنوح على الباقین الذین سیلتحقون به عن قریب .
قوله أولئکم سلف غایتکم السلف المتقدمون و الغایة الحد الذی ینتهی إلیه إما حسیا أو معنویا و المراد هاهنا الموت . و الفرط القوم یسبقون الحی إلى المنهل . و مقاوم العز دعائمه جمع مقوم و أصلها الخشبة التی یمسکها الحراث و حلبات الفخر جمع حلبة و هی الخیل تجمع للسباق . و السوق بفتح الواو جمع سوقة و هو من دون الملک : سَلَکُوا فِی بُطُونِ اَلْبَرْزَخِ سَبِیلاً سُلِّطَتِ اَلْأَرْضُ عَلَیْهِمْ فِیهِ فَأَکَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ وَ شَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ فَأَصْبَحُوا فِی فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لاَ یَنْمُونَ وَ ضِمَاراً لاَ یُوجَدُونَ لاَ یُفْزِعُهُمْ وُرُودُ اَلْأَهْوَالِ وَ لاَ یَحْزُنُهُمْ تَنَکُّرُ اَلْأَحْوَالِ وَ لاَ یَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ وَ لاَ یَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ غُیَّباً لاَ یُنْتَظَرُونَ وَ شُهُوداً لاَ یَحْضُرُونَ وَ إِنَّمَا کَانُوا جَمِیعاً فَتَشَتَّتُوا وَ أُلاَّفاً آلاَفاً فَافْتَرَقُوا وَ مَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ وَ لاَ بُعْدِ مَحَلِّهِمْ عَمِیَتْ أَخْبَارُهُمْ وَ صَمَّتْ دِیَارُهُمْ وَ لَکِنَّهُمْ سُقُوا کَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً وَ بِالسَّمْعِ صَمَماً وَ بِالْحَرَکَاتِ سُکُوناً فَکَأَنَّهُمْ فِی اِرْتِجَالِ اَلصِّفَةِ صَرْعَى سُبَاتٍ جِیرَانٌ لاَ یَتَأَنَّسُونَ وَ أَحِبَّاءُ لاَ یَتَزَاوَرُونَ بَلِیَتْ بَیْنَهُمْ عُرَا اَلتَّعَارُفِ وَ اِنْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ اَلْإِخَاءِ فَکُلُّهُمْ وَحِیدٌ وَ هُمْ جَمِیعٌ وَ بِجَانِبِ اَلْهَجْرِ وَ هُمْ أَخِلاَّءُ لاَ یَتَعَارَفُونَ لِلَیْلٍ صَبَاحاً وَ لاَ لِنَهَارٍ مَسَاءً أَیُّ اَلْجَدِیدَیْنِ ظَعَنُوا فِیهِ کَانَ عَلَیْهِمْ سَرْمَداً شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا وَ رَأَوْا مِنْ آیَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا فَکِلاَ فَکِلْتَا اَلْغَایَتَیْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَةٍ فَاتَتْ مَبَالِغَ اَلْخَوْفِ وَ اَلرَّجَاءِ فَلَوْ کَانُوا یَنْطِقُونَ بِهَا لَعَیُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَ مَا عَایَنُوا وَ لَئِنْ عَمِیَتْ آثَارُهُمْ وَ اِنْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ لَقَدْ رَجَعَتْ فِیهِمْ أَبْصَارُ اَلْعِبَرِ وَ سَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ اَلْعُقُولِ وَ تَکَلَّمُوا مِنْ غَیْرِ جِهَاتِ اَلنُّطْقِ فَقَالُوا کَلَحَتِ اَلْوُجُوهُ اَلنَّوَاضِرُ وَ خَوَتِ اَلْأَجْسَامُ اَلنَّوَاعِمُ وَ لَبِسْنَا أَهْدَامَ اَلْبِلَى وَ تَکَاءَدَنَا ضِیقُ اَلْمَضْجَعِ وَ تَوَارَثْنَا اَلْوَحْشَةَ وَ تَهَدَّمَتْ تَهَکَّمَتْ عَلَیْنَا اَلرُّبُوعُ اَلصُّمُوتُ فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا وَ تَنَکَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا وَ طَالَتْ فِی مَسَاکِنِ اَلْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا وَ لَمْ نَجِدْ مِنْ کَرْبٍ فَرَجاً وَ لاَ مِنْ ضِیقٍ مُتَّسَعاً فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِکَ أَوْ کُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ اَلْغِطَاءِ لَکَ وَ قَدِ اِرْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَکَّتْ وَ اِکْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ وَ تَقَطَّعَتِ اَلْأَلْسِنَةُ فِی أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلاَقَتِهَا وَ هَمَدَتِ اَلْقُلُوبُ فِی صُدُورِهِمْ بَعْدَ یَقَظَتِهَا وَ عَاثَ فِی کُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِیدُ بِلًى سَمَّجَهَا وَ سَهَّلَ طُرُقَ اَلآْفَةِ إِلَیْهَا مُسْتَسْلِمَاتٍ فَلاَ أَیْدٍ تَدْفَعُ وَ لاَ قُلُوبٌ تَجْزَعُ لَرَأَیْتَ أَشْجَانَ قُلُوبٍ وَ أَقْذَاءَ عُیُونٍ لَهُمْ فِی کُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لاَ تَنْتَقِلُ وَ غَمْرَةٌ لاَ تَنْجَلِی فَکَمْ أَکَلَتِ اَلْأَرْضُ مِنْ عَزِیزِ جَسَدٍ وَ أَنِیقِ لَوْنٍ کَانَ فِی اَلدُّنْیَا غَذِیَّ تَرَفٍ وَ رَبِیبَ شَرَفٍ یَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِی سَاعَةِ حُزْنِهِ وَ یَفْزَعُ إِلَى اَلسَّلْوَةِ إِنْ مُصِیبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ ضَنّاً بِغَضَارَةِ عَیْشِهِ وَ شَحَاحَةً بِلَهْوِهِ وَ لَعِبِهِ فَبَیْنَا هُوَ یَضْحَکُ إِلَى اَلدُّنْیَا وَ تَضْحَکُ إِلَیْهِ فِی ظِلِّ عَیْشٍ غَفُولٍ إِذْ وَطِئَ اَلدَّهْرُ بِهِ حَسَکَهُ وَ نَقَضَتِ اَلْأَیَّامُ قُوَاهُ وَ نَظَرَتْ إِلَیْهِ اَلْحُتُوفُ مِنْ کَثَبٍ فَخَالَطَهُ بَثٌّ لاَ یَعْرِفُهُ وَ نَجِیُّ هَمٍّ
مَا کَانَ یَجِدُهُ وَ تَوَلَّدَتْ فِیهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ آنَسَ مَا کَانَ بِصِحَّتِهِ فَفَزِعَ إِلَى مَا کَانَ عَوَّدَهُ اَلْأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْکِینِ اَلْحَارِّ بِالْقَارِّ وَ تَحْرِیکِ اَلْبَارِدِ بِالْحَارِّ فَلَمْ یُطْفِئُ بِبَارِدٍ إِلاَّ ثَوَّرَ حَرَارَةً وَ لاَ حَرَّکَ بِحَارٍّ إِلاَّ هَیَّجَ بُرُودَةً وَ لاَ اِعْتَدَلَ بِمُمَازِجٍ لِتِلْکَ اَلطَّبَائِعِ إِلاَّ أَمَدَّ مِنْهَا کُلَّ ذَاتِ دَاءٍ حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ وَ ذَهَلَ مُمَرِّضُهُ وَ تَعَایَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ وَ خَرِسُوا عَنْ جَوَابِ اَلسَّاِئِلینَ عَنْهُ وَ تَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِیَّ خَبَرٍ یَکْتُمُونَهُ فَقَائِلٌ یَقُولُ هُوَ لِمَا بِهِ وَ مُمَنٍّ لَهُمْ إِیَابَ عَافِیَتِهِ وَ مُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ یُذَکِّرُهُمْ أَسَى اَلْمَاضِینَ مِنْ قَبْلِهِ فَبَیْنَا هُوَ کَذَلِکَ عَلَى جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ اَلدُّنْیَا وَ تَرْکِ اَلْأَحِبَّةِ إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ فَتَحَیَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ وَ یَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسَانِهِ فَکَمْ مِنْ مُهِمٍّ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَیَّ عَنْ رَدِّهِ وَ دُعَاءٍ مُؤْلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ مِنْ کَبِیرٍ کَانَ یُعَظِّمُهُ أَوْ صَغِیرٍ کَانَ یَرْحَمُهُ وَ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِیَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ اَلدُّنْیَا هذا موضع المثل ملعا یا ظلیم و إلا فالتخویة من أراد أن یعظ و یخوف و یقرع صفاة القلب و یعرف الناس قدر الدنیا و تصرفها بأهلها فلیأت بمثل هذه الموعظة فی مثل هذا الکلام الفصیح و إلا فلیمسک فإن السکوت أستر و العی خیر من منطق یفضح صاحبه و من تأمل هذا الفصل علم صدق معاویة فی قوله فیه و الله ما سن
الفصاحة لقریش غیره و ینبغی لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة فی مجلس و تلى علیهم أن یسجدوا له کما سجد الشعراء لقول عدی بن الرقاع
قلم أصاب من الدواة مدادها
فلما قیل لهم فی ذلک قالوا إنا نعرف مواضع السجود فی الشعر کما تعرفون مواضع السجود فی القرآن . و إنی لأطیل التعجب من رجل یخطب فی الحرب بکلام یدل على أن طبعه مناسب لطباع الأسود و النمور و أمثالهما من السباع الضاریة ثم یخطب فی ذلک الموقف بعینه إذا أراد الموعظة بکلام یدل على أن طبعه مشاکل لطباع الرهبان لابسی المسوح الذین لم یأکلوا لحما و لم یریقوا دما فتارة یکون فی صورة بسطام بن قیس الشیبانی و عتیبة بن الحارث الیربوعی و عامر بن الطفیل العامری و تارة یکون فی صورة سقراط الحبر الیونانی و یوحنا المعمدان الإسرائیلی و المسیح ابن مریم الإلهی . و أقسم بمن تقسم الأمم کلها به لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسین سنة و إلى الآن أکثر من ألف مرة ما قرأتها قط إلا و أحدثت عندی روعة و خوفا و عظة و أثرت فی قلبی وجیبا و فی أعضائی رعدة و لا تأملتها إلا و ذکرت الموتى من أهلی و أقاربی و أرباب ودی و خیلت فی نفسی أنی أنا ذلک الشخص الذی وصف ع حاله و کم قد قال الواعظون و الخطباء و الفصحاء فی هذا المعنى و کم وقفت على ما قالوه و تکرر وقوفی علیه فلم أجد لشی‏ء منه مثل تأثیر هذا الکلام فی نفسی فإما أن یکون ذلک لعقیدتی فی قائله أو کانت نیة القائل صالحة و یقینه کان ثابتا و إخلاصه کان محضا
خالصا فکان تأثیر قوله فی النفوس أعظم و سریان موعظته فی القلوب أبلغ ثم نعود إلى تفسیر الفصل فالبرزخ الحاجز بین الشیئین و البرزخ ما بین الدنیا و الآخرة من وقت الموت إلى البعث فیجوز أن یکون البرزخ فی هذا الموضع القبر لأنه حاجز بین المیت و بین أهل الدنیا کالحائط المبنی بین اثنین فإنه برزخ بینهما و یجوز أن یرید به الوقت الذی بین حال الموت إلى حال النشور و الأول أقرب إلى مراده ع لأنه قال فی بطون البرزخ و لفظة البطون تدل على التفسیر الأول و لفظتا أکلت الأرض من لحومهم و شربت من دمائهم مستعارتان . و الفجوات جمع فجوة و هی الفرجة المتسعة بین الشیئین قال سبحانه وَ هُمْ فِی فَجْوَةٍ مِنْهُ و قد تفاجى الشی‏ء إذا صارت له فجوة . و جمادا لا ینمون أی خرجوا عن صورة الحیوانیة إلى صورة الجماد الذی لا ینمی و لا یزید و یروى لا ینمون بتشدید المیم من النمیمة و هی الهمس و الحرکة و منه قولهم أسکت الله نامته فی قول من شدد و لم یهمز . و ضمارا یقال لکل ما لا یرجى من الدین و الوعد و کل ما لا تکون منه على ثقة ضمار . ثم ذکر أن الأهوال الحادثة فی الدنیا لا تفزعهم و أن تنکر الأحوال بهم و بأهل الدنیا لا یحزنهم و یروى تحزنهم على أن الماضی رباعی . و مثله قوله لا یحفلون بالرواجف أی لا یکترثون بالزلازل .
قوله و لا یأذنون للقواصف أی لا یسمعون الأصوات الشدیدة أذنت لکذا أی سمعته . و جمع الغائب غیب و غیب و کلاهما مروی هاهنا و أراد أنهم شهود فی الصورة و غیر حاضرین فی المعنى . و ألاف على فعال جمع آلف کالطراق جمع طارق و السمار جمع سامر و الکفار جمع کافر . ثم ذکر أنه لم تعم أخبارهم أی لم تستبهم أخبارهم و تنقطع عن بعد عهد بهم و لا عن بعد منزل لهم و إنما سقوا کأس المنون التی أخرستهم بعد النطق و أصمتهم بعد السمع و أسکنتهم بعد الحرکة . و قوله و بالسمع صمما أی لم یسمعوا فیها نداء المنادی و لا نوح النائح أو لم یسمع فی قبورهم صوت منهم . قوله فکأنهم فی ارتجال الصفة أی إذا وصفهم الواصف مرتجلا غیر مترو فی الصفة و لا متهیئ للقول . قال کأنهم صرعى سبات و هو نوم لأنه لا فرق فی الصورة بین المیت حال موته و النائم المسبوت . ثم وصفهم بأنهم جیران إلا أنهم لا مؤانسة بینهم کجیران الدنیا و أنهم أحباء إلا أنهم لا یتزاورون کالأحباب من أهل الدنیا . و قوله أحباء جمع حبیب کخلیل و أخلاء و صدیق و أصدقاء . ثم ذکر أن عرا التعارف قد بلیت منهم و انقطعت بینهم أسباب الإخاء و هذه کلها استعارات لطیفة مستحسنة .
ثم وصفهم بصفة أخرى فقال کل واحد منهم موصوف بالوحدة و هم مع ذلک مجتمعون بخلاف الأحیاء الذین إذا انضم بعضهم إلى بعض انتفى عنه وصف الوحدة . ثم قال و بجانب الهجر و هم أخلاء أی و کل منهم فی جانب الهجر و هم مع ذلک أهل خلة و مودة أی کانوا کذلک و هذا کله من باب الصناعة المعنویة و المجاز الرشیق . ثم قال إنهم لا یعرفون للنهار لیلا و لا للیل نهارا و ذلک لأن الواحد من البشر إذا مات نهارا لم یعرف لذلک النهار لیلا أبدا و إن مات لیلا لم یعرف لذلک اللیل صباحا أبدا و قال الشاعر
لا بد من یوم بلا لیلة
أو لیلة تأتی بلا یوم
و لیس المراد بقوله أی الجدیدین ظعنوا فیه کان علیهم سرمدا أنهم و هم موتى یشعرون بالوقت الذی ماتوا فیه و لا یشعرون بما یتعقبه من الأوقات بل المراد أن صورة ذلک الوقت لو بقیت عندهم لبقیت أبدا من غیر أن یزیلها وقت آخر یطرأ علیها و یجوز أن یفسر على مذهب من قال ببقاء الأنفس فیقال إن النفس التی تفارق لیلا تبقى الصورة اللیلیة و الظلمة حاصلة عندها أبدا لا تزول بطرآن نهار علیها لأنها قد فارقت الحواس فلا سبیل لها إلى أن یرتسم فیها شی‏ء من المحسوسات بعد المفارقة و إنما حصل ما حصل من غیر زیادة علیه و کذلک الأنفس التی تفارق نهارا
12
13
14
15
16
17
18
19
20
Lotus
Mitra
Nazanin
Titr
Tahoma
آبی
سبز تیره
سبز روشن
قهوه ای